هذا الموضوع جدلي بالنسبة إلى الكثيرين بحكم تداخل مختلف العوامل في تكوين الشخصية، ولكن النظرة التي يطرحها عالم المخ والأعصاب والمتخصص في علم الأحياء "روبيرت سابولسكي" أنه لا يوجد شيء يسمى بالإرادة الحرة للإنسان وتكوينه، بل شخصيته هي نتاج كل الأحداث والأسباب التي تسبق نشأته في الأساس، يعني "لو لم يحدث كذا لما أدى إلى كذا.." ويؤكد حتى أن الدقائق الأولى بعد ولادة الطفل قد تحدد مسار حياته بأكملها، ومنظوره بصراحة لا يختلف كثيرًا عن أمورًا ناقشناها هنا، أن لكل نتيجة سبب يسبقها، وأن اقتطاع حدث من سياقه الأصلي لا ينفي أنه 100% متأثر بما سبقه، وشخصيًا أميل لهذا المنظور عن منظور الإرادة الحرة لتكوين الشخصية، لأننا أصلًا ننشأ ضمن أطر وقواعد كثيرة لم نخترها من البداية، لا البيئة ولا المجتمع ولا العادات ولا الأفكار، كلها تلقيناها من الأهل والمجتمع، فأين هي الحدود التي نقول عندها أنه فعلًا لدينا إرادة حرة؟
شخصياتنا نتاج إرادتنا الحرة أم نتيجة حتمية لنشأتنا؟
وانا سعيد جدا بالنقاش معكِ د. ايريني و وجودك في المنصة
هل تسلسل الأسباب نفسه خاطئ كفكرة؟ أظن أنك ستقول لأ
الجواب المباشر: لا، ليس خاطئًا. هو صحيح مئة بالمئة كوصف للماضي. الحتمية كوصف للماضي لا غبار عليها. نعم، ابن رشد قالها: "ما حدث كان يجب أن يحدث". أنتِ الآن، وأنتِ تقرئين هذه الكلمات، يمكننا أن نرجع بالزمن ونفتش في كل ثانية مضت لنجد سلسلة الأسباب التي أدت بكِ إلى هذه اللحظة بالذات. هذا صحيح. الرياضيات تقول ذلك، والفيزياء الكلاسيكية تقول ذلك.
لكن أن يأخذوا هذه الحتمية التي تعمل باتجاه الماضي ويسقطوها قسرًا على المستقبل، زاعمين أن المستقبل منغلق وحتمي تمامًا مثل الماضي. هذه ليست قفزة علمية، هذه مغالطة منطقية اسمها مغالطة الاحتمال بأثر رجعي أنتِ قلتها بنفسكِ بذكاء: "نفس الأمر بالنسبة للاحتمالات السعيدة". نعم. الاحتمال الإحصائي لوجود "هتلر" مثلًا لم يكن صفرًا، لكنه أيضًا لم يكن 100%. الاحتمال الإحصائي لوجود "شخص يوقف هتلر في بداياته" لم يكن صفرًا. لماذا تحقق احتمال وانتفت احتمالات أخرى؟
ونحن لا نعلم إلا القشور عن حياته؟ أين الفيصل هنا في رأيك في تحديد مسار الإنسان: هل للموضوع مثلًا علاقة بالفطرة، بأمور خارج سيطرته؟
هذا السؤال هو تاج الأسئلة. وأجيبكِ عليه بما هو ليس فلسفة، بل أداة عمل لكل طبيب شريف، بما فيهم أنتِ قبل أن تنسَي ذلك.
أنتِ محقة تمامًا: لا يحق لأحد أن يقول لآخر "كان الأصلح لك أن تفعل كذا" وهو لا يعرف إلا القشور. هذا تدخل أحمق. لكن هناك فرقًا بين "الحكم على الماضي البعيد" و"تحديد مسار المستقبل القريب". وهنا المعيار الواقعي. هل كان هناك بديل ممكن في تلك اللحظة؟ (ليس بديلًا مثاليًا خياليًا، بل بديلًا واقعيًا مُتاحًا).
. هل أدرك الشخص وجود هذا البديل ولو لثانية؟ (هنا نختبر الوعي، ليس بالضرورة وعيًا كاملًا، ولكن وجود طرف خيط الوعي).. هل مارس في تلك الثانية عملية "الكبت" أو "الاختيار"؟
أما عن الفطرة والأمور خارج السيطرة: نعم، لها علاقة، وهي المادة الخام. الأمور خارج السيطرة: هي جيناتكِ، والديكِ، مجتمعكِ، صدماتكِ. الفطرة: ليست قدرًا، بل هي الإمكانيات الأولية. هي النوافذ التي فُتحت أو أُغلقت في دماغكِ مبكرًا. لكن، وهذا هو المهم: كل هذه تعطيكِ مسرح العمليات لا النص النهائي. أنتِ كممثلة ومؤلفة في آنٍ واحد على هذا المسرح. المسرح حقيقي، جدرانه صلبة، لكن النص الذي ستقولينه الليلة لم يُكتب بعد. يُكتب لحظة بلحظة.
الحتمية تُفسر لماذا صعب على المدمن أن يتوقف، وهذا مفيد. لكن قولها "إذن هو غير قادر ولا مسؤول" هو الانزلاق القاتل. التفسير ليس تبرئة. فهم السلسلة لا يلغي اللحظة التي يستطيع فيها الوعي البشري كسر الحلقة.
، زاعمين أن المستقبل منغلق وحتمي تمامًا مثل الماضي
هم ينظرون إلى المستقبل فعلًا بتوقّع ما سيحدث، يعني عندما يحدث "المستقبل" نقول وقتها فعلًا كان لا يمكن تغيير أي شيء، وهي نظرة قاصرة أيضًا في رأيي بالنسبة للحظة الحالية فقط، إنما بالنسبة لمقارنة الماضي بالحاضر بالمستقبل هي نظرة مقبولة جدًا ولها مرجعية أظن أننا متفقين عليها بنفس المقدار، بمعنى أن تغيير بسيط في مسار حياة هتلر كان سيمنع تسلسل كبير من الأحداث المتراكمة لاحقًا.
الحتمية تُفسر لماذا صعب على المدمن أن يتوقف، وهذا مفيد. لكن قولها "إذن هو غير قادر ولا مسؤول" هو الانزلاق القاتل
هذه إحدى النتائج السيئة للتسليم بالحتمية، وهي الاقتناع بأننا مجرد قطع تتحرك بفعل فاعل، وأن حتى الثانية الفاصلة التي يمكن فيها الاختيار بين 1 و 2 غير متاحة، ويدخل الإنسان في دائرة شكوك لا تنتهي أو اليأس التام، ولذلك هنا أحب فعلًا أنا أرى مساحة الإرادة الحرة في السيطرة على ما يمليه العقل علينا، ولو سألتني شخصيًا عن رأيي في الإرادة فهو ذلك، السيطرة على الآن فقط، نعم نحن لا نمتلك التحكّم في طريقة توليد الرغبات داخل عقولنا ولا نمتلك طريقة التفاعلات العصبية التي عليها تتخزن ذكريات محددة وتظل مؤرقة جدًا وأخرى تمر مرور الكرام، ولا نمتلك أيضًا سيطرة على المشاعر، وهنا اتفاقي مع مسألة الحتمية (أي الأشياء التي لا يمكن السيطرة عليها بأي طريقة)، وهنا أتركك مع سؤال آخر مهم جدًا: حالات الاكتئاب المقاومة للعلاج والتي تصل بنسبة كبيرة جدًا إلى الانتحار: أين المساحة لموضوع حرية الإرادة بالنسبة إليهم؟ ويمكنك أن تقيس على ذلك أي اضطرابات أخرى أو حوادث أدت بالإنسان لفقدان السيطرة على عقله.
التعليقات