12

لماذا انتشرت عبارات مثل اعتزل ما يؤذيك؟

بالتاكيد قرأتم الكثير من البوستات تمجد فكرة الاستغناء، وتردد شعارات مثل اعتزل ما يؤذيك وأنا أكتفي بذاتي واسعد نفسك بنفسك، كأن القوة في العزلة وقطع العلاقات مع البشر. لكني اسميه هروب من تحديات التعامل الإنساني، فمن السهل جداً أن تكون مثالياً وهادئاً وأنت وحدك، لكن الاختبار الحقيقي لمعدنك يظهر في قدرتك على التعايش مع الآخرين رغم اختلافهم وعيوبهم التي هي امر لا مفر منه.

اذا حولنا الهروب من المشاكل الاجتماعية إلى بطولة سنجعل الانسحاب عند أول عقبة اول اختيار، بدلاً من بذل الجهد في بناء علاقات ناضجة وقوية. من رائي ان القوة الحقيقية هي في امتلاك المهارة النفسية التي تجعلك تتعامل مع طباع البشر المزعجة دون أن تفقد توازنك. لاننا كائنات اجتماعية بالفطرة، والادعاء بأننا لا نحتاج لأحد هو مجرد قناع يخفي خوفنا من الخذلان أو عجزنا عن المواجهة.


كلام جميل أخت نهى وانا أرى أن انتشار عبارات مثل "اعتزل ما يؤذيك" جاء نتيجة طبيعية لضغط الحياة المتزايد وتعقّد العلاقات وكثرة التجارب السلبية التي يمر بها الناس في هذا العصر، فأصبح الكثيرون أكثر وعيًا بأهمية السلام النفسي ووضع الحدود مع كل ما يستنزفهم نفسيًا أو عاطفيًا.

لكن المشكلة ليست في العبارة نفسها، بل في طريقة فهمها وتطبيقها؛ فالبعض بات يستخدمها كدعوة للهروب من أي خلاف أو تحدٍّ أو مسؤولية، بينما الأصل أن المقصود بها هو الابتعاد عمّا يسبب ضررًا حقيقيًا ومستمرًا، لا الهروب من كل موقف غير مريح.

فالإنسان يحتاج إلى التوازن؛

فلا يرهق نفسه بالبقاء في بيئة مؤذية،

ولا ينعزل عن الناس والحياة عند أول صعوبة أو اختلاف.

لذلك أعتقد أن الحكمة ليست في أن "نعتزل كل ما يؤذينا"، بل في أن نميّز بين ما يجب إصلاحه، وما يجب احتماله، وما يجب تركه فعلًا.