تخيل معي رجلاً يعيش في القرن الثامن عشر، لكن عقله يسكن في القرن الواحد والعشرين، رجل يرى أن كل تلك الشعارات الرنانة عن الحقوق والعدالة مجرد كلام فارغ لا يطعم خبزاً. هذا الرجل هو جيرمي بنثام. لم يكن يرى الإنسان ككائن ملائكي أو معقد، بل كان يراه ببساطة مثل آلة محكومة بسيدين لا مفر منهما: اللذة والألم. بالنسبة لبنثام، نحن نهرب من الوجع ونركض خلف المتعة، وهذه هي الحقيقة الوحيدة الصادقة في هذا العالم.

من هذه الفكرة البسيطة، قرر بنثام أن يقلب الطاولة على الفلسفة القديمة. بدل أن نسأل هل هذا الفعل يرضي الضمير أو يوافق الفضيلة، علينا أن نسأل سؤالاً واحداً وواضحاً: كم هي كمية السعادة التي سيحققها هذا الفعل لأكبر عدد من الناس؟ بنثام لم يكن يحب الغموض، لذلك اخترع ما يشبه الآلة الحاسبة للأخلاق. كان يعتقد أننا نستطيع قياس اللذة كما نقيس المسافات أو الأوزان. إذا أردنا أن نبني سجناً أو نضع قانوناً، فعلينا فقط أن نحسب النتائج الملموسة. فإذا كانت النتيجة هي زيادة رفاهية المجتمع وتقليل أوجاعه، فالفعل خير، وإذا كان العكس، فهو شر، وانتهى الأمر.

هذا المنطق العملي جداً جعله يصطدم بكل من حوله. سخر من فكرة الحقوق الطبيعية واعتبرها خرافات تمشي على عكازين، لأن الحق في نظره لا يوجد إلا إذا كتبه القاضي في ورقة وقدرت الدولة حمايته لتحقيق مصلحة الناس. وصل به الهوس بالدقة والرقابة إلى تصميم سجن غريب يسمى البانوبتيكون، وهو مبنى دائري يقف فيه حارس واحد في المنتصف يستطيع رؤية الجميع دون أن يراه أحد. كان يريد أن يشعر المسجون أنه تحت النظر دائماً فيعدل سلوكه تلقائياً، ليس خوفاً من العقاب فقط، بل لأن النظام يفرض عليه أن يكون نافعاً.

حتى في موته، ظل بنثام وفياً لمنطقه النفعي الغريب. أوصى بأن تُحفظ جثته وتُعرض في جامعة لندن، ليكون مفيداً حتى وهو جثة هامدة، وكأنه يريد أن يقول لنا إن الوجود البشري كله يجب أن يخدم غاية عملية. قد نتفق معه أو نختلف، وقد نرى في فلسفته جفاءً وبروداً لأنها تتعامل مع البشر كأرقام في معادلة، لكننا لا نستطيع أن ننكر أن العالم الذي نعيش فيه اليوم، بدوله ومؤسساته التي تبحث عن الأرقام والنمو والرفاهية، هو في الحقيقة عالم بناه جيرمي بنثام بمسطرته وقلمه.