لم يكن تاريخ الفلسفة في المؤسسات التعليمية العربية مجرد مسار لتدريس مادة أكاديمية، بل كان انعكاساً حياً للصراع بين إرادة التحديث وهواجس السيطرة. إن قصة "إلغاء الفلسفة" أو تهميشها في فترات معينة من تاريخ العرب المعاصر، لم تكن نتاج صدفة تربوية، بل كانت تعبيراً عن لحظة تاريخية التقت فيها ضرورة الاستقرار السياسي بتخوفات المحافظة الاجتماعية.

لقد قامت الممارسة الفلسفية، بطبيعتها، على خلخلة البديهيات وتفكيك المسلمات، وهو ما جعلها في مواجهة مباشرة مع الأنظمة التي كانت تسعى لبناء شرعيتها على "الإجماع" لا على "الاختلاف". ففي مغرب السبعينيات، على سبيل المثال، لم يكن تقليص حضور الفلسفة في المناهج مجرد إجراء إداري، بل كان قراراً سياسياً استراتيجياً بامتياز؛ فبعد أن أصبحت الجامعة مفرزة للفكر النقدي واليساري الراديكالي، رأت السلطة أن الفلسفة هي المحرك الأيديولوجي لهذا التمرد. ومن هنا، تم اللجوء إلى "تحييد العقل" عبر استبدال الدرس الفلسفي بالدرس الديني التقليدي، مراهنةً بذلك على أن النقل بما يمثله من طاعة وانضباط سيوفر حماية أكبر للسلطة من العقل وما يمثله من مراجعة ونقد.

هذا "النفي القسري" للفلسفة لم يقتصر على المغرب، بل امتد بأشكال مختلفة في المشرق العربي والسودان، حيث سادت لسنوات طويلة نظرة ارتياب تعتبر الفلسفة بضاعة مستوردة تهدد الخصوصية الثقافية والهوية الدينية. لقد استُخدمت الفلسفة كـ "كبش فداء" في صراعات أيديولوجية كبرى؛ فكان يُنظر إليها تارة كبوابة للإلحاد، وتارة كأداة للتبعية الغربية، مما أدى إلى غيابها عن المناهج في دول خليجية لعقود، أو تدجينها في دول أخرى لتصبح مجرد تاريخ جاف للمذاهب لا يمت للواقع بصلة.

إلا أن الضريبة الفكرية لهذا الإقصاء كانت باهظة؛ فقد أدى غياب التكوين الفلسفي إلى نشوء فراغ ذهني هائل، استوطنته خطابات أحادية عجزت عن قبول التعددية أو ممارسة النقد الذاتي. ومع مطلع الألفية الجديدة، وبفعل هزات سياسية واجتماعية كبرى، بدأ الوعي العربي يدرك أن "أزمة العقل" هي في جوهرها أزمة غياب الفلسفة. فحدث ما يشبه "الصحوة الفلسفية" المتأخرة، حيث أُعيدت الفلسفة إلى قاعات الدرس في السعودية ودول أخرى، لا بوصفها ترفاً ذهنياً، بل كضرورة وجودية لتحصين العقل ضد التطرف، وكتأهيل لا بد منه للدخول في عصر الحداثة والمعرفة.

إن تجربة إلغاء الفلسفة تثبت أن محاصرة السؤال لا تحمي اليقين، بل تضعفه. فالفلسفة التي طُردت من الباب السياسي عادت من نافذة الحاجة الحضارية، لتؤكد أن بناء الإنسان العربي المعاصر لا يمكن أن يستقيم إلا بجناحي الإيمان الواعي والعقل الناقد، بعيداً عن صراعات الإقصاء التي أهدرت عقوداً من الزمن الفكري.