أخر أسبوعين تقريبًا، تابعت كل ما له علاقة بالصراع الحالي في المنطقة، ولا سيما مع انتشار فيديوهات جنود الدولة الشقيقة وهم يتحدثون عن حرب نهاية العالم ووعود النصوص الدينية تتحقق وغير ذلك، وعلى الناحية الأخرى رأيت فيديو لرئيس أمريكا بصحبة مجموعة من القياديين يتلون صلوات بطريقة استعراضية بحتة وبنفس نمط ووعود الدولة الشقيقة، في حين أن الأطراف الثلاثة للمعركة لهم علاقات واحدة تاريخيًا، علاقة مصالح توسعية في المنطقة فقط، وعليه اختلفت السرديات في كل مرة يحدث الصراع حتى يبرروا لها منطقيًا أو دفاعيًا ومصالح مشتركة تجمعهم، ولكن هذه المرة استخدموا سردية الدين بطريقة أجدها مسرحية جدًا، مع العلم أن الصراع نفسه حتى لا يرتقي لحرب عالمية ثالثة، ولا يُقارن بالصراعات الإقليمية في فترة الثمانينات وما بعدها، فلما ربط هذا الصراع بسيناريو نهاية الأيام؟!
ما الهدف الحقيقي من ربط الصراعات الحالية بالنصوص الدينية؟
إن الحوار الدائر في المقال حول "نبوءات النهاية" وربط الصراعات الحالية بالنصوص الدينية ليس إلا "تغطية متعمدة" وانفصالاً تاماً عن أبشع مجزرة شهدها التاريخ الحديث. بينما ينشغل البعض بتفسير علامات "هرمجدون" في السماء، كانت الأرض في منطقتنا، وتحديداً في شوارع إيران، تفيض بدماء الأبرياء تحت ستار "المقدس".
أولاً: "محرقة يناير" وإبادة الحقيقة (36 ألف قتيل) :
كيف لمن يدعي تمثيل "إرادة الله" أو "حماية المستضعفين" أن يرتكب المجزرة الأكبر في العصر الحديث؟
- الحقائق الموثقة (يناير 2026): كشفت تقارير استقصائية من مجلة "Time" و"إيران إنترناشيونال"، استناداً لتسريبات من وزارة الصحة الإيرانية ومحاضر سرية للمجلس الأعلى للأمن القومي، أن عدد القتلى خلال يومي 8 و9 يناير فقط تجاوز 30,000 إلى 36,500 قتيل.
- الأدلة الميدانية: وثقت منظمات دولية اقتحام المستشفيات واعتقال الجرحى من أسرتهم. أي "دين" هذا الذي يبرر إبادة الآلاف في 48 ساعة لمجرد اعتراضهم على الجوع وانهيار العملة؟
ثانياً: "الظلام الرقمي" وستار القتل :
الدولة التي تحتمي بالحق لا تخشى الكاميرا، لكن من يخشى الحقيقة يقطع ألسنة التواصل.
- التعتيم الكامل: وثق مرصد (NetBlocks) انخفاض اتصال الإنترنت في إيران إلى 1% فور اندلاع احتجاجات "بازار طهران". هذا الانقطاع لم يكن إجراءً أمنياً، بل كان "ستاراً للمذبحة"؛ عزلوا البلاد ليتمكنوا من تصفية المتظاهرين بعيداً عن أعين العالم.
ثالثاً: البراغماتية القذرة وتبادل الأدوار :
يُروج النظام لعداء وجودي مع الكيان الصهيوني، لكن التاريخ والواقع يثبتان "التخادم" المتبادل:
- فضيحة "إيران-كونترا" أثبتت أن السلاح الإسرائيلي كان يُباع للنظام في عز الشعارات الدينية. واليوم، نرى أن ضربات إيران "الاستعراضية" تتركز في العمق العربي والخليجي، بينما تظل القواعد الكبرى للخصوم الحقيقيين بعيدة عن الضرر، مما يؤكد أنها حرب نفوذ إقليمي وليست حرب تحرير مقدسة.
- العدو المشترك: الطرفان (الإيراني والصهيوني) بحاجة لبعضهما؛ فبدون "البعبع" لا تُباع الأسلحة الغربية، وبدون "فزاعة الكيان" لا يجد النظام مبرراً لقمع شعبه وتصدير ميليشياته.
رابعاً: اقتصاد الدم وسموم "المنظومة" :
خلف ستار القداسة، تدار منظومة اقتصادية إجرامية عابرة للحدود:
- تجويع الداخل لتمويل الوكلاء: بينما فقد "التومان" 80% من قيمته مطلع 2026 وتجاوز التضخم 60%، يستمر النظام بضخ 20 مليار دولار سنوياً للميليشيات الخارجية. المواطن الإيراني بالنسبة لهم ليس إلا "وقوداً" لمشروع توسعي.
- تجارة السموم (الكبتاجون والأفيون): لجأ النظام وأذرعه (كحزب الله) لتمويل "المشروع المقدس" عبر الجريمة المنظمة. وثقت تقارير الـ (DEA) الأمريكية تورطهم في شبكات دولية لتهريب المخدرات، مما جعل "المحراب" واجهة لغسيل الأموال وتسميم الشعوب.
إن استدعاء نصوص "نهاية العالم" في هذا التوقيت هو محاولة يائسة لـ "تخدير" الشعوب بعد سقوط الشرعية في الشوارع. عندما يعجز القادة عن توفير الخبز، يهربون إلى "الميتافيزيقيا" لإقناع الناس بأن القمع هو "قدر إلهي".
الحقيقة المرة هي أن كلا الطرفين (الكيان الإيراني والكيان الصهيوني) وجهان لعملة واحدة؛ أحدهما يقتل بـ "الرصاص المباشر" والآخر بـ "التقنية والحصار"، وكلاهما يتقاسمان خارطة النفوذ على أشلاء المستضعفين، مستخدمين الأساطير الدينية كـ "بنج موضعي" لمنع الشعوب من الصراخ.
بالضبط!!! استخدام النصوص الدينية هو لتجييش من لا وعي له، وأمّا المؤسسات فلا تعرف الأديان عمومًا، وتستخدم منها ما يخدم مصلحتها فقط ويُشرّع حقوقها في مسعاها السام، والغريب أن ترى الناس تشجّع دولة على دولة دون علم بأن الدول الأساسية في الصراع لا تقارن أضرارها بالدول التي دخلت رغمًا عنها، فكما ذكرت مشكلة غيران الاقتصادية قديمة ليست بسبب هذا الصراع فقط، وصحيح أن الضربات آخر يومين قاتلة، ولكن قاتلة للاقتصاد العالمي، ومع ذلك ما زالت الضربات الدفاعية في دول الخليج أيضًا!!
التعليقات