بين حكمة المنطق وفخ التهكم السينمائ.. 

في فضاء الحوارات اليومية.. كثيراً ما نصطدم بنوع من الردود التي تحاول "تنميط" الحقيقة وتحويلها إلى مشهد سينمائي عابر. كأن يُقال لك في ذروة نقاش جاد .. كلامك ذكرني بفيلم قطار بوسان .. حيث يركض الجميع في جهة.. والمنطق في جهة أخرى! هذا الربط، وإن بدا ساخراً .. يفتح الباب أمام تساؤل أعمق حول مستويات الإدراك البشري وأدب الحوار.

التهكم.. بلسماً أم سُمّاً؟

إن استغلال المواقف لصناعة احتمالات مضحكة هو مهارة لكنها مهارة .. ذات حدين .. فإذا كانت الغاية توسيع مدارك الفكرة بابتسامة.. فهي أداة بناء. أما إذا تحول التهكم إلى وسيلة لتقليل الشأن.. فنحن هنا أمام "فخ" لا يقع فيه إلا من استوطنت الأنانية صدره.

الحقيقة لا تحتاج إلى.. مؤثرات بصرية.. 

إن قوة الحجة تكمن في تجردها .. . واختلاف الآراء هو جمال يثري الوعي ويصقل الفكر. حين ندرك أن أقوالنا هي "تقرير عرضي" يعكس مكنونات نفوسنا.. سنفهم أن التهكم السينمائي غالباً ما يكون درعاً واهياً يستخدمه البعض حين تغيب عنهم مستويات الكلمة وتجارب العقل.

تفاوت العقول: من الحكمة إلى الخيال المضحك

ليس كل رد متهكم هو بالضرورة نتاج ذكاء حاد.. بل أحياناً يكون انعكاساً لمحدودية القدرة على استيعاب العمق. البشر في مستويات إدراكهم أصناف .. 

عقلية الحكمة.. وهي التي تقدح الفكرة، وتبحث عن النبرة الرزينة .. وتضع الكلمة كبلسم على الجرح.

عقلية الخيال المضحك .. وهي التي لا تجد في مخزونها المعرفي سوى "لقطة سينمائية تربطها.. بالواقع بشكل عشوائي.. إما لتبسيط فكرة عجزت عن فهمها .. أو للهروب من استحقاق المنطق

وفي نهاية المطاف.. لسنا مجرد آلات صماء تخلو من المشاعر، بل نحن كائنات تُخطئ وتُصيب .. وتتأثر وتؤثر. لذا.. فإن أصدق لحظات الحكمة هي تلك التي نجلس فيها مع أنفسنا في خلوة .. المحاسبة والإنصاف .. نستعرض شريط يومنا.. ونراجع تصرفاتنا بكل تجرد هل كانت كلماتنا بلسماً أم كانت سهاماً من تهكم؟ هل أنصفنا عقول الآخرين أم كنا سجناء لأنانيتنا؟ إننا حين نصحح مساراتنا ونعترف بخللنا.. نكون قد ارتقينا فوق القوالب الجاهزة لنصنع واقعاً يكون فيه.. الصواب.. هو الهدف.. و"الإنسانية" هي اللغة والنفس اللوامة هي المخرج الحقيقي لكل فعل نخطه في سجل أيامنا.