12

التربية الوقائية المفرطة أنتجت جيلا زجاجيا

يحكي مدير توظيف عن موقف غريب، حيث ورده اتصال مفاجئ من سيدة تسأل لماذا لم يتم قبول ابنها في الوظيفة. الغريب أن الابن يبلغ من العمر 40 عاما!

هذه القصة المضحكة والمبكية في آن واحد، هي التجسيد الحقيقي لما ذكره الدكتور عبد الكريم بكار حاكيا عن درس موروث من أجدادنا، أن الشجرة التي تُترك لتصارع العطش قليلا، هي التي تضرب بجذورها عميقا في الأرض بحثا عن الماء، فتصبح قوية صلبة لا تهزها الرياح. أما تلك التي نغرقها بالرعاية، فتظل جذورها سطحية، وعودها رقيقا، وتنهار عند أول موجة حر.

وهذا بالضبط ما نفعله نحن بحسن نية. لقد استقرت في بيوتنا التربية الوقائية المفرطة.. حيث لا نكتفي بتمهيد الطريق لأبنائنا بل نخوض معاركهم بدلا منهم، فنصنع جيلا زجاجيا لامعا من الخارج، لكنه هش من الداخل وقابل للكسر عند أول صدمة حقيقية.. بالضبط كما وصف الدكتور قائلا: "إن محاولة تجهيز الطرق للأبناء بدلا من تجهيز الأبناء للطرق، هي خديعة تربوية كبرى! "


بالفعل، فإن مساعدة ورعاية الأبناء حتى وقت معين، أنت فقط تعلمهم الخطوات الأولى وتأخذ بأيديهم إلى الطريق، وبعدها تظل تشاهدهم من بعيد يتحركون، ويسقطون، فدورك هو مساعدتهم في دعمهم دون السيطرة على حياتهم، وعيشها بدلاً منهم بسبب هاجس الخوف الزائد، لأن النتيجة ستكون أبناء مهزوزة هشة لا تستطيع أن تتقدم أو تصنع قراراً، أشخاص سهل التلاعب بهم وخداعهم.

المشكلة هي حينما يكبر هؤلاء الأطفال بهذه العقلية المهزوزة والشخصية الهشة.. تكون إعادة تكييفهم بالواقع وقتها أصعب، وتحتاج متابعة طويلة في العلاج السلوكي المعرفي والجلسات مع الأخصائي النفسي.

بالضبط فمهم جداً أن يعلم الآباء الأبناء كيف يعتمدون على أنفسهم، ويصبحوا أكثر شجاعة واستعداداً لمواجهة العالم والحياة.