بقلم: عمر صلاح

تبدأ أعظم الاكتشافات العلمية أحياناً ليس داخل المختبرات المعقدة، بل من خلف مقاعد الدراسة الخشبية، وبينما يحاول المعلم جاهدًا السيطرة على ضجيج الفصل. قبل سبع سنوات، وأنا في الصف السادس الابتدائي، خضت تجربة ذهنية غيرت نظرتي للعلم للأبد.

في حصة العلوم، وبينما كنت أتأمل بصمت في صور الكرة الأرضية في كتابي، لفت نظري تفصيل مذهل؛ كانت حواف القارات المتباعدة تبدو وكأنها قطع "بزل" (Puzzle) عملاقة. لاحظتُ أن قياسات التحدب والتقعر في كل قارة تتطابق بشكل مريب مع التقعر و التحدب في قارات المحيطة بها، وكأنهم كانوا جسداً واحداً وانفصل. تساءلت في نفسي حينها: "هل يعقل أن هذه القارات كانت قطعة واحدة يوماً ما؟!".

مرت السنوات، وظنتُ أن هذه مجرد "شطحة" خيال طفولي، حتى صدمتُ بمقطع فيديو على الإنترنت يتحدث عن "نظرية الانجراف القاري" للعالم الألماني ألفريد فيجنر. اكتشفتُ أن ما لاحظته بعفويتي وأنا في الثالثة عشرة من عمري، كان هو نفسه الصراع العلمي الذي هزّ أركان الجيولوجيا في القرن العشرين.

دروس من خلف مقاعد الدراسة

هذا الموقف لم يكن مجرد صدفة، بل قادني لاستنتاج حقيقتين جوهريتين عن طبيعة العلم:

أولاً: العلم ليس "ومضة" فردية، بل تراكم معرفي

من الخطأ الاعتقاد بأن الاختراعات تنسب لشخص واحد فقط ظهر فجأة في التاريخ. معظم الأفكار العظيمة كانت تلوح في الأفق ويلاحظها الكثيرون، لكن الفضل يُنسب في النهاية لمن يمتلك المنهجية، والقدرة على التدوين، والإثبات العلمي. "فيجنر" لم يكن الوحيد الذي رأى تطابق القارات، لكنه كان الأشجع في جمع الأدلة ومواجهة المجتمع العلمي بها.

ثانياً: حتمية الاكتشاف (لو لم يولد إسحاق نيوتن، لما اكتشفت الجاذية!)

العلم لا يتوقف عند شخص معين. نحن نقدس العباقرة مثل نيوتن وأينشتاين، وهذا حقهم، لكن الحقيقة هي أن قوانين الكون موجودة ومتاحة للملاحظة من قِبل أي عقل يقظ. الفرق بين الشخص العادي والعالم ليس في "القدرة على الرؤية"، بل في "القدرة على التحليل والاستنتاج". إن ولادة الفكرة هي حتمية تاريخية، لكن توثيقها هو الإنجاز.

كلمة للباحثين عن الشغف

قد يشعر البعض بالإحباط عندما يكتشفون أن أفكارهم "الأصلية" قد سبقهم إليها آخرون وبحثوا فيها. لكنني أرى الأمر من زاوية مختلفة تماماً؛ إن وصولك لنفس استنتاجات العظماء بشكل فطري هو "شهادة جودة" لعقلك. إنه دليل على أنك تمتلك تلك "العين العلمية" التي تبحث عن الأنماط خلف الفوضى.

إن العلم رحلة مستمرة، وما نراه اليوم حقائق ثابتة، بدأ يوماً ما كملاحظة بسيطة في ذهن طفل، وسط ضجيج فصل دراسي.

هل سبق وأن لاحظتم ظاهرة علمية في صغركم واكتشفتم لاحقاً أنها نظريات مثبتة؟

شاركونا تجاربكم.