في بيتٍ يُنسب عادةً إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يختصر هذا البيت جوهر معركتنا الحديثة يقول: "إِذا العَينُ لم تُبصِر بِنورِ بَصيرةٍ ... رأت كُلَّ زَيفٍ في الحَقيقةِ واضِحا"

هذه هي الحقيقة المجرّدة في زمننا الرقمي؛ حيث لم يعد التحدي في وصول المعلومة إلينا، بل في قدرتنا على النجاة من سيل المعلومات الذي يهدف إلى تعمية بصائرنا.

تخيل نفسك في لحظة هدوء، تجلس في ركنك المفضل، تحتسي قهوتك بينما ينساب ضوء الشمس من النافذة، وفي يدك جهاز صغير لا يتجاوز حجم كفك، لكنه في الواقع "جبهة قتالية" مفتوحة. أنت لست مجرد متصفح للأخبار، بل أنت الهدف الأول والمنشود في حربٍ صامتة، لا تُستخدم فيها الرصاصات لاختراق الأجساد، بل تُستخدم فيها البيانات لاحتلال العقول، واستعمار مساحات الفهم، وتحويل قناعاتك الراسخة إلى حطام دون أن تشعر بطلقة واحدة.

هذه الحرب النفسية الرقمية تبدأ بهدوءٍ مريب، تماماً كضبابٍ يتسلل إلى مدينةٍ نائمة، حيث تسعى "الهندسة الاجتماعية" إلى إعادة صياغة واقعك عبر سيلٍ من المعلومات المضللة التي تهدف إلى بث الخوف والقلق في روحك. فجأة، تجد نفسك محاصراً بأخبارٍ تشكك في أمانك، وأخرى تزرع الفتنة بينك وبين محيطك، وثالثة تهدم ثقتك في كل ما هو أصيل. هذا الضباب ليس عفوياً، بل هو نتاج تخطيط دقيق يدير العقول في الغرف المغلقة قبل أن تتحرك أي آلة عسكرية في الميادين، محولاً ساحة "الفضاء السيبراني" إلى خندقٍ للمواجهة الوجودية التي تستهدف تفتيت الروابط الاجتماعية وتلغيم الهويات الوطنية.

وبينما تحاول أن تستوعب ما يحدث، تبدأ جيوش "الظلال" هجومها المنظم؛ فتظهر تلك الأسراب التي نطلق عليها "الذباب الإلكتروني"، وهي لجان وحسابات وهمية لا وجوه لها ولا ضمير، تقتات على التكرار والتضخيم. ترى فكرةً نبيلة تُهاجم من آلاف الأفواه الرقمية في وقت واحد، ليس لأنها خاطئة، بل لإيهامك بأن "الرأي العام" قد نبذها، مما يدفعك للشك في فطرتك السليمة. وتكتمل هذه الجريمة بدخول "الروبوتات الاجتماعية" التي تعمل كقائد أوركسترا آلي، تدير آلاف الحسابات ببرودٍ تقني، وتوجه النقاشات نحو الغضب والاستقطاب، مستغلةً ميل النفس البشرية لتصديق ما يتكرر أمامها بكثرة، وما يلامس انفعالاتها المحتقنة.

ولأن هذه الحرب لا تعرف الحدود، فقد وصلت إلى أعمق حصوننا الإنسانية: قدرتنا على التصديق بما نراه ونسمعه. لقد منح الذكاء الاصطناعي هذه الحرب سلاحاً مرعباً يسمى "التزييف العميق"، حيث يمكن للآلة أن تستعير وجه قائد، أو صوت أب، أو ملامح صديق، لتقول كلاماً لم ينطق به أبداً. تخيل الرعب الإنساني حين تضيع الحقيقة وسط فيديوهات مفبركة تبدو أكثر واقعية من الواقع نفسه، مما يجعلنا نعيش في حالة من عدم اليقين الدائم، حيث تضيع الملامح وتختلط الأصوات، ويصبح الهدف النهائي هو شلّ قدرتنا على التمييز، حتى نكفر بكل حقيقة ونستسلم لكل وهم.

ولكن، وبرغم قسوة هذه المعركة، يظل "الوعي" هو الحصن الذي لا يمكن اقتحامه إلا إذا فتحنا نحن أبوابه. نعم فإن النجاة تبدأ من تلك اللحظة التي نقرر فيها ألا نكون مجرد "رد فعل" لخوارزميات صماء. تبدأ الحماية بتبني "فطنة أخلاقية" ومنهجية واعية، تجعلنا نتوقف قبل كل "إعجاب" أو "مشاركة"، ونسأل أنفسنا عن مصدر الخبر ونوايا الناشر. هي كذلك دعوة لعودة الإنسان ليكون هو "المعيار الذهبي"؛ فالآلة قد تعالج البيانات بسرعة الضوء، لكنها لا تملك قلبك الذي يشعر، ولا عقلك الذي يفهم السياق والمجاز.

وفي ختام هذه المواجهة، يقع العبء علينا كأفراد وكجماعات لبناء "درع معرفي" يحمي أجيالنا القادمة عبر التربية الرقمية الرصينة، وسن قوانين تحترم حرية التعبير لكنها تجتث جذور التضليل الممنهج. إن الحرب النفسية الرقمية ليست قدراً لا يمكن رده، بل هي اختبار لبصيرتنا في زمن الضجيج. ففي كل مرة تختار فيها التمهل والتحقق، وفي كل مرة ترفض فيها أن تكون صدى لصوتٍ مجهول، أنت لا تحمي عقلك فحسب، بل تحافظ على نبل إنسانيتك في عالمٍ يحاول تحويلنا جميعاً إلى مجرد أرقام في خوارزمية كبرى.

بقلم الكاتب والإعلامي

صلاح حسن الساعدي