العنوان قد يبدو شخصيًا وربما استفزازيًا، لكنه ليس هجومًا مباشرًا على أخي كشخص، بل على نوعية الأشخاص الذين يمثلون نموذجًا متكررًا: أشخاص يقرؤون كثيرًا، يدّعون الثقافة، لكن عقلهم لا يتحمل ما يقرأونه، فتتجمع الأفكار لتخلق عقلًا مشوّهًا وفاشلًا علاقيًا.

نحن نعيش في زمن أصبح فيه من يقرأ يُفترض تلقائيًا أنه واعٍ، ناضج، ومثقف. لكن هذه الفرضية خاطئة. القراءة بحد ذاتها لا تهذب النفس، ولا تقوي العلاقات، بل قد تفعل العكس إذا استُهلكت دون وعي.

القراءة ليست فضيلة بذاتها

القراءة أداة. والأداة قد تبني، وقد تجرح. حين يستهلك شخص المعرفة بلا وعي، تتحوّل الأفكار إلى قناع زائف بدل أن تكون جسرًا للفهم.

المثقف الزائف كثير الكلام، قليل الفهم، عاجز عن الاعتراف بالخطأ، وفاشل في أبسط العلاقات الإنسانية. المعرفة التي لا تهذب الروح وتفهم الإنسان، تتحول إلى خطر.

التشوه العلاقي

أخطر ما في المثقف الزائف ليس جهله، بل تشوه علاقاته.

هو لا يرى الآخرين شركاء في الفهم، بل أدوات لإثبات الذات. لا يدخل علاقة إلا ليخرج منها منتصرًا، متلاعبًا، أو متفوقًا.

وحين يخطئ — وهو يخطئ كثيرًا — لا يعتذر.

الاعتذار يتطلب وعيًا بالعلاقة، لا بالمعلومة.

يتطلب اعترافًا بإنسانية الآخر، لا بتفوّق الذات.

العلاقات هي المعيار الحقيقي

أنا لا أؤمن بأن الثقافة تُقاس بعدد الكتب، ولا بعمق المفردات، ولا بحدة الطرح.

المعيار الحقيقي للثقافة هو:

  • كيف تتعامل مع البشر؟
  • هل تفهم أثر كلماتك؟
  • هل تحترم المساحة الإنسانية للآخر؟
  • هل تستطيع تحمّل الخطأ؟
  • هل تعرف متى تصمت؟

من يفشل في هذه الأسئلة، لا يمكن أن يكون مثقفًا حقيقيًا.

لماذا لا أكره الجهل؟

لأن الجاهل صادق في نقصه.

أما المثقف الزائف، فهو جاهل متنكر بوعي زائف، وهذا أخطر.

الجهل يمكن تعليمه.

أما التشوه، فيحتاج تفكيكًا مؤلمًا لا يجرؤ عليه كثيرون.

خاتمة

هذا المقال ليس دعوة لترك القراءة، بل دعوة لتحمّل مسؤوليتها.

وليس هجومًا على المثقفين، بل دفاعًا عن معنى الثقافة.

أنا لا أكره أخي كشخص،

بل أكره الشخصية التي تولد حين تُقرأ الأفكار بلا نضج،

وتُستهلك المعرفة بلا أخلاق،

وتُستخدم الثقافة كقناع بدل أن تكون جسرًا إنسانيًا.

ففي النهاية،

من لا يفهم العلاقات،

لن يفهم الإنسان،

ومن لا يفهم الإنسان،

لا يحق له أن يدّعي الثقافة.