ثمة سؤال جوهري يطرح نفسه: لماذا تظل الكثير من الحالات النفسية عصية على المعالجة رغم التطور المعرفي؟

من خلال القراءة في الأدبيات النفسية، نجد أنها رغم فائدتها، غارقة في البحث عن أسباب مفردة أو ظواهر سطحية، متجاهلة الجذور الحقيقية للمرض، أو مكتفية بعوامل ثانوية لا تشكل جوهر العلة.

مغالطة "السببية الشمولية"

كثيراً ما يعلق الكتاب النفسيون معاناة المرضى على شماعة عادات اجتماعية معينة، لكن عند الفحص الدقيق، نجد أن هذه العادات منتشرة في مجتمعات وجغرافيات كاملة دون أن تؤدي بالضرورة إلى نفس النتائج المرضية.

فما يوصف اليوم بأنه "تربية مشوهة" أو "أسلوب قاصد"، كان بالأمس نمطاً طبيعياً يتم التعامل معه بمرونة رغم تعقيداته.

مثال من واقع التربية: إن أسلوب الزجر والردع الذي اعتاد عليه آباؤنا كان نتاجاً لظروف حياة قاسية وشديدة عاشوها بشموخ وتأقلم مذهل.

لو عشنا نحن تلك الظروف اليوم، لاعتبرناها "عقاباً لا يطاق" أو "ظلماً بيّناً"، لكنها في سياقهم كانت تمثل قوة ومتانة متسقة مع واقعهم.

أزمة الصدام الثقافي وغياب الحلول المنصفة

إن تحول أساليب التربية القديمة إلى مسببات للأمراض اليوم ليس نابعاً من الأسلوب ذاته مع ما فيه، بل الأغلب من تصادم الأفكار العصرية ونظرة المجتمع الحديث لمن تلقى تربية تقليدية.

عندما نعيش في بيئة تمارس "التنمر المعرفي" والاستخفاف بالماضي، وترهب الفرد من قبول واقعه دون تقديم بدائل منصفة.

إما أن تُطرح حلول تمزق الروابط الخاصة.

أو يتم رفض الواقع كلياً دون محاولة فهم إشكالاته وبنائه بشكل أقوى، أو تقبله حسب مضمونه.

في هذا الصدام، يغفل المحللون عن الأسباب العميقة، ويلجأون للأسباب "السهلة" التي يتقبلها الجمهور سريعاً وتمنح الكاتب أو المريض دعماً جماهيرياً آنياً، لكنها تظلم الدوائر القريبة للإنسان وربما صورتها كعدو.

تكامل الدوائر: من الفرد إلى المجتمع

إن الدوائر البسيطة (الأسرة والأصدقاء والبيئة القريبة) حيوية جداً لصحة الإنسان، لكنها لا تنهار إلا إذا غابت الدوائر الأوسع أو ضعفت (النظام الاجتماعي، الاستقرار العام، والثقافة السائدة، وتقدير الموقف وحسن التعامل معه).

حينما تكون الدوائر الكبرى في المجتمع متزنة وتنظم الحلول بشكل سليم، يستطيع الإنسان أن ينهل من سعتها ما يعالج قصور دوائره الصغيرة.

وبذلك، لا يصبح الواقع منفراً، بل يصبح مجالاً للإصلاح والاتصال.