لماذا يتم إفتراض أن جميع الأديان تفضل الذكر وتصب تشريعاتها لصالح الرجل؟

يشيع في الخطاب المعاصر، سواء كان النسوي أو الذكوري، إفتراضٌ شبه بديهي مفاده أن الأديان، قد جاءت لترسيخ سلطة الرجل ومنحه امتيازات على حساب المرأة.

هذا الافتراض، على انتشاره، يقوم على خلطٍ عميق بين ثلاثة مستويات مختلفة: الدين كتشريع، الممارسة الإنسانية كتطبيق له، والمجتمع كبنية تاريخية متأثرة ليس بالدين فقط، ولكن بكل الرواسب الفكرية والنمطية التي بنيت من قديم الأزل. وأرى أن هذا الخطاب يمثل، تبسيطا شديدا وإختزالا لإشكالية الرجل والمرأة.

ما جعلني أفكر في هذه المسألة هو فيديو لفتاة سودانية لبقة على التيكتوك.

تتحدث فيه عن السبب الحقيقي لرفض الرجال المبالغ به لتيار النسوية ككل، ووصفهم النسوية بالخطر.

قالت الفتاة أنهم محقين في مخاوفهم لأن النسوية خطرها يتمثل في هدمها لمنظومة من المعتقدات والأدوار التي بنيت ببطئ على مر التاريخ في المجتمع، ولا يعني هدم هذه المنظومة سوى حدوث تغيير لا يصب في مصلحة من استفادوا منها تاريخيًا.

على الرغم من أنني وافقت الفتاة في بداية حديثها، حتى قالت أن الأديان جائت لخدمة الرجل. أفهم ما حاولت الرمي اليه، ولكنني أرفض هذه الجملة بشكل كامل، وهذه مبالغة أراها موجودة بشكل واسع بين الرجال والنساء على حد سواء، أن الدين يخدم الرجل، ويعطي الرجل امتيازات، ويحتقر المرأة.

وعلى الرغم من أنه هناك أديان حقا تداولت نصوصا صريحة تحتقر فيها المرأة، وتعظم الرجل بشكل مبالغ فيه، ولكن تلك الأديان لم تخلو من العبث الإنساني الذكوري في نصوصها، وقد ينطبق قولها عليهم، ولكن ليس على الإسلام.

في رأيي وبعد بحث طويل، لم يأتي الإسلام لخدمة أي إنسان، أو نوع، أو قبيلة، بل جاء ليحجم سلطة الإنسان، ويضع قيودًا أخلاقية وتشريعية على غرائزه وسلطاته، بغضّ النظر عن كونه رجلًا أو امرأة.

فلم يخدم الإسلام الذكورية بأي شكل كان بل على العكس قام بتقييدها.

على الرغم من أن بعض الرجال البسطاء، لا يدركون هذه الأمور ويعتقدون حقا أن هذا الدين فضلهم، فأقول لهم هذا الدين بالذات مقارنة بما جاء قبله، نزع عنكم سلطاتكم الوهمية الذكورية وقيدكم وحددكم بشكل لو أدركتوه، لرفضتم هذا الدين واعتنقتم غيره.

الوهم المسمى ب"إمتيازات الرجل في الإسلام" ليس إلا قراءة مبتورة لنصوص تشريعية رغم وضوحها، و تجاهل سياقها التاريخي والمجتمعي، ومع تجاهل أيضا التطبيق الإنساني المباشر لهذه النصوص، المتمثل في سنة الرسول صل الله عليه وسلم.

فمثلا إذا جئنا لأمر التعدد لا أدرى حقا لما ينظر للتعدد كإمتياز ذكوري، بل ويستخدمه بعض الرجال كذريعة لإغاظة النساء والشعور بالتفوق.

وما يضحكني هو أن التعدد لم يكن اختراعًا إسلاميًا، بل واقعًا جاهليًا بلا حدّ ولا شرط. التعدد في الإسلام جاء تقييدا للرجل لا خدمة له، لأنه في الجاهلية وقبل الإسلام، كان الرجل يتزوج عدد غير محدود من النساء، يعلق من يريد منهن ويقرب من يريد، ناهيك عن الجواري وملك اليمين والعلاقات الغير شرعية إلخ.

جاء الإسلام ونسف هذا الإمتياز كليا، فأباح للرجل فقط الزواج بأربعة كحد أقصى، مع إعطاءهن نفس الحقوق، ومع فرض العدل بينهم، ومع تحذير شديد اللهجة لمن لا يعدل بينهن أو يترك احداهن كالمعلقة. لما إذا يعتقد بعض الرجال أن التعدد في الإسلام إمتياز؟ لولا الإسلام لكان بإمكانك الزواج بعدد لا نهائي من النساء، بل وإقامة علاقات غير شرعية أيضا، جاء الاسلام مبيحا التعدد بشروط حازمة، ومنهي مسألة العلاقات غير الشرعية بتحريمها المطلق وحدودها إلخ. يجب على النسويات بدلا من أن يطرحو سؤال: لما أباح الإسلام التعدد؟ أن يتسائلو: لما قيد الإسلام التعدد بهذا الشكل إذا كان هدفه خدمة الرجل؟

هناك مسألة أخرى يتم تداولها بثرثرة ولغو شديد السطحية. وهي مسألة ضرب الناشز، وهي المرحلة الأخيرة بعد الوعظ والهجر.

قبل الإسلام، كان الرجل يضرب زوجته ضربا مبرحا، سواء كانت ناشزا أم لا، بشكل يستعصي على المرء تخيله. جاء الإسلام بالقصاص، لمن يضرب زوجته عموما، أما إذا كانت ناشزا، فقد قيد الإسلام سلطة الرجل وحدد ما يستطيع فعله وما لا يستطيع.

فقال أولا عظها، فإن لم تعد، فاهجرها، وأعطي تلك المراحل حقها، فإن لم تعد فاضربها ضربا غير مبرح، لا يترك آثرا، ليس على الوجه، كمن يضرب بالسواك. وإن ضرب الرجل المرأة بشكل يتنافى مع هذه الشروط، تذهب للقاضي وتطالب بالقصاص منه، ليُضرب الرجل بنفس الطريقة التي اعتدى بها على زوجته.

ومع رفضي المطلق للضرب سواء كانت المرأة ناشزا أم لا، إلا أنني لا يمكنني تجاهل استخدام هذا التشريع من قبل الناس لتمرير السلطة الذكورية أو لإتهام الدين بظلم المرأة. هل تشريع كهذا، مقارنة بما سبقه تاريخيا، جاء لخدمة الرجل؟ هذا ليس تشريعا يبيح العنف ضد المرأة، بل تفكيك تدريجي لسلطة عنف ذكوري مطلقة متأصلة في المجتمع.

تقريبا يمكننا تطبيق هذا التحليل، على جميع التشريعات الخاصة بالرجل والمرأة، وإذا أردنا خير مثال لتطبيق التشريعات بشكلها الصحيح، يمكننا النظر لسنة الرسول صل الله عليه وسلم في التعامل مع النساء، هل كان ذكوريا متسلطا؟ هل احتقر المرأة؟ هل ضرب زوجاته؟ هل كان مثالا للرجل الذي تحاول السلطة الذكورية ذرع صورته في عقولنا؟ الإجابة هي لا.

ما أود قوله بصراحة أن الذكورية ليست نتاج الدين الذكورية سبقت الأديان، ورافقتها، وحاولت دائمًا توظيفها لصالحها، كما حاولت توظيف كل شيئ لصالحها، من الإقتصاد والسياسة والتاريخ والفلسفة والعلم. الدين الاسلامي بالذات اذا ما تم التفكير فيه يقينا، تدرك انه لم يبث الذكورية في المجتمع، بل حاربها بشكل كبير. سأقولها مرة أخرى، الإسلام لم يقدس أي جنس على حساب جنس أخر، ومحاولة إلقاء اللوم على الدين في معضلة صراع الذكورية والنسوية هي إختزال يريح الجميع. يريح النسويات لأنه يعطيهن خصما محددا وواضحا، ويريح الذكوريين ببث القوة والسلطة الوهمية في نفوسهم، كأنها تأييد إلهي لأفكارهم المشوهة، فيصبح كل من يرفض أفكارهم يرفض الله، لا الذكورية.