في عالم التمويل والأرقام المتسارعة، كانت هناك شركة عالمية تعيش أزهى عصورها، تدير مليارات الدولارات في سوق الأسهم، حتى جاءت أزمة مالية عاتية. هزت أركان الشركة، وبدأت الخسائر تتراكم كجبال جليدية تذيب الأرباح.
اجتمع مجلس الإدارة، في غرفة اجتماعات فخمة يغطيها الصمت المتوتر. كانت المهمة واضحة: البحث عن أفكار "خارج الصندوق" لإنقاذ السفينة من الغرق.
تناول الأعضاء الكلمة واحدًا تلو الآخر. اقترح البعض الاستعانة بخبراء دوليين بمبالغ طائلة، والبعض الآخر اقترح إعادة هيكلة جذرية، وكلها أفكار تدور في فلك المألوف، تتطلب أموالاً طائلة ووقتًا قد لا تملكه الشركة.
بينما كان النقاش محتدمًا، لاحظ "أحمد" أحد أعضاء مجلس الإدارة الجدد والهادئين، عامل النظافة "عم حسين" يمر من الغرفة المجاورة. كان عم حسين رجلًا مسنًا، لكن عينيه تحملان حكمة السنين.
شعر أحمد بشيء غريب يدفعه نحو الحديث مع العامل. بعد انتهاء الاجتماع، لحق أحمد بعم حسين وسأله عن خلفيته. اكتشف أحمد أن الرجل الذي يحمل المكنسة كان في يوم من الأيام مدير محفظة استثمارية لامعة في شركة منافسة كبرى، لكن سلسلة من الظروف الشخصية القاسية أجبرته على ترك منصبه المرموق والعمل في هذه الوظيفة المتواضعة.
أدرك أحمد أنه وجد ضالته، واغتنم الفرصة ليأخذ مشورة عم حسين في الأزمة المالية الحالية للشركة. استمع إليه العامل باهتمام، ثم رسم له خطة بسيطة وذكية تركز على الأصول المهملة وإعادة توجيه الاستثمارات نحو قطاعات مستقرة لم ينتبه لها الخبراء.
في الاجتماع التالي لمجلس الإدارة، وبعد أن قدم كل عضو خطته "المحترفة"، حان دور أحمد. وقف بثقة وعرض الفكرة المستوحاة من عم حسين.
ساد الغرفة ضجيج من السخرية والهمس. "فكرة عامل نظافة؟!" تعالت الأصوات الرافضة. "هل جننت يا أحمد؟ نحن نتحدث عن ملايين الدولارات هنا!"
قبل أن تتم مناقشة الفكرة بجدية، قوبلت بالرفض القاطع بسبب مصدرها. مرت الأسابيع، ولم تجدِ أي من الخطط الأخرى نفعًا، بل زادت الخسائر وتفاقمت الأزمة.
اجتمع مجلس الإدارة مرة أخرى، واليأس بدأ يتسلل إلى قلوب الجميع. لم يتبق لديهم شيء ليخسروه. تذكروا فكرة العامل "حسين" المرفوضة وقرروا النظر فيها بعمق هذه المرة.
عندما فحصوا الخطة بتجرد، صُعقوا. كانت الفكرة صائبة تمامًا، وتستغل ثغرة في السوق لم يلاحظها أحد من الخبراء المتغطرسين. ومن ثم قرروا تطبيقها فورًا.
أخذت الشركة في تنفيذ استراتيجية عم حسين ببطء، بدأت المؤشرات المالية تتحسن، وتوقف النزيف المالي، وتحركت الشركة نحو التعافي مجددًا واستعادة توازنها.
علِم المجلس الدرس القاسي: الحكمة لا تسكن المكاتب الفاخرة دائمًا، وأحيانًا يكون الحل الأذكى قابعًا في أبسط الأماكن، ينتظر من يرفع عنه ستار الغرور والحكم المسبق. كافئوا عم حسين بمركز استشاري كبير يليق بخبرته.
شاركنا رأيك: "لو كنت عضوًا في مجلس الإدارة، هل كنت ستوافق على مناقشة فكرة عامل النظافة بجدية قبل رفضها، أم كنت سترفضها فورًا بسبب مصدرها؟ ولماذا؟"
التعليقات