الوظيفة تقيك الفقر وتحجبك عن الغنى. ما رأيك؟

  • kjhj

قرأت مؤخرًا تلك المقولة لرائد الاعمال السعودي يوسف فجال وبالفعل هناك أناس تعمل بها. فهم يرون أن الوظيفة رغم استقرارها إلا أنها تحدّ من الطموح والثراء. فالدخل فيها غالبًا محدود لا يتغير مهما زاد الجهد، والموظف يبقى تحت إدارة غيره، مقيدًا بساعات عمل وتعليمات. أما العمل الحرّ بكتافة ألوانه فهو مجال واسع للابتكار والنمو المالي. هم يقرون أنه يحمل مخاطر، لكنه يمنح صاحبه الحرية في اتخاذ القرار وبناء ثروة حقيقية إن أحسنوا التخطيط والإدارة.

ولكن هناك أناس يرون أن الوظيفة نعمة ويعملون بالمثل: إن فاتك الميري اتمرمرغ في ترابه!فهي مصدر رزق ثابت يضمن للإنسان حياة مستقرة، وراحة نفسية، وخطة مالية واضحة. فهم يفضلون أن يتقاضون رواتبهم في موعد محدد، ويفضلون التأمينات والضمانات الاجتماعية. كذلك هم يستطيع أن يخططون لمستقبلهم دون خوف من تقلبات السوق أو الخسارة. هؤلاء يؤمنون أن الأمن المادي مقدم على المغامرة.

وأنا أميل إلى الرأي الثاني خاصة في الوقت الحالي فب بلادنا فكم من رواد أعمال خسروا أعمالهم وسط حيتان رؤؤس الأموال! وفي لقاء تلفيزيوني مع نجيب محفوظ لما سأله المحاور لمَ يظل في الوظيفة حتى اليوم؟ قال أنها أمان مادي له وراتب ثابت تجعله يتفرغ لطموحه الأدبي وكم من المؤلفين و المبدعين كانوا موظفين حتى نهاية حيا

تهم.


هذه المقولة تحمل قدراً كبيراً من الصحة وتعكس واقعاً عاشه ويعيشه الكثيرون، لكنها ليست حقيقة مطلقة. دعنا نحللها:

​الجزء الأول: "الوظيفة تقيك الفقر"

  • ​الصحة: نعم، بشكل عام، الوظيفة المنتظمة توفر دخلاً ثابتاً ومتوقعاً. هذا الدخل يضمن تلبية الاحتياجات الأساسية (المأكل، المشرب، المسكن، إلخ)، ويوفر شبكة أمان واستقراراً مالياً يمنع الانزلاق إلى الفقر المدقع. إنها توفر predictability (قابلية التنبؤ) التي تفتقر إليها الكثير من المشاريع الخاصة أو الأعمال الحرة في بداياتها.
  • ​الاستثناءات: هناك وظائف ذات أجور متدنية جداً (Working Poor) قد لا تكفي لتغطية جميع الاحتياجات الأساسية بشكل مريح، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة. كما أن بعض الوظائف تكون غير مستقرة (عقود مؤقتة، عمل يومي).

​الجزء الثاني: "تحجبك عن الغنى"

  • ​الصحة (في الغالب): نعم، معظم الوظائف التقليدية لها سقف للراتب. النمو المالي غالباً ما يكون خطياً وتدريجياً (زيادات سنوية، ترقيات). من الصعب جداً تحقيق "الغنى الفاحش" أو بناء ثروة ضخمة بالاعتماد فقط على راتب وظيفة، لأنك تبيع وقتك مقابل المال بسعر محدد غالباً من قبل صاحب العمل. الغنى الحقيقي (بمعنى امتلاك أصول تدر دخلاً كبيراً) يأتي غالباً من:
  • ​الملكية: امتلاك عمل خاص (ريادة الأعمال) يمكن أن ينمو بشكل أُسي.
  • ​الاستثمار: استثمار جزء من الدخل في أصول تنمو قيمتها (أسهم، عقارات).
  • ​المهارات ذات القيمة العالية جداً: بعض الوظائف تتطلب مهارات نادرة جداً ومطلوبة (مثل بعض المناصب التنفيذية العليا، كبار الجراحين، نجوم الرياضة) تدر دخلاً يسمح ببناء ثروة.
  • ​الاستثناءات:​الوظائف ذات الأجور العالية جداً: كما ذكرنا، بعض المهن (طب، هندسة متخصصة، محاماة، مناصب إدارية عليا) تدر دخلاً مرتفعاً جداً يسمح بالادخار والاستثمار وبناء ثروة مع الوقت.
  • ​الأسهم والمكافآت: الموظفون في الشركات الناجحة (خاصة في قطاع التكنولوجيا) قد يحصلون على أسهم أو خيارات أسهم ترتفع قيمتها بشكل كبير.
  • ​الادخار والاستثمار المنضبط: حتى أصحاب الوظائف ذات الدخل المتوسط يمكنهم بناء ثروة على المدى الطويل إذا كانوا منضبطين جداً في الادخار واستثمار أموالهم بحكمة.

​رأيي الشخصي:

​المقولة هي تعميم مفيد يصف الحالة الغالبة، ولكنه ليس قانوناً حتمياً. الوظيفة هي غالباً نقطة انطلاق ومنصة للأمان المالي. بالنسبة للكثيرين، هذا الأمان هو الهدف بحد ذاته وهو كافٍ لحياة كريمة ومستقرة.

​أما "الغنى"، فهو يتطلب غالباً مخاطرة أكبر (مثل بدء عمل خاص) أو انضباطاً استثنائياً في الادخار والاستثمار، أو الوصول إلى مستويات عليا جداً في مهن معينة.

​فالوظيفة بحد ذاتها لا تمنع الغنى بالضرورة، لكن "الاعتماد الكلي" عليها دون تفكير في تطوير مصادر دخل أخرى أو استثمار جزء من هذا الدخل هو ما قد يحجب الشخص عن تحقيق مستويات أعلى من الثراء المالي. هي توفر الأمان، لكن بناء الثروة يتطلب عادةً الخروج من منطقة الراحة تلك بشكل أو بآخر.