إلى أي مدى يحق للأبناء التدخل في حياة والديهما ومنعهما من بناء حياتهما بعد انفصالهما.
أكيد أن انفصال الأبوين يشكل أزمة للأبناء، خاصة إذا كانوا صغارا ولم يستقلوا بحياتهم بعد. ولهذا السبب نجد الكثير من الأسر تحافظ على الإطار الخارجي الشكلي، تفاديا لتأثيرات الانفصال على الأنجال. إلى أن تسوء علاقة الوالدين، وتنمحي كل إمكانية الاستمرار معا، فيحصل الطلاق، ويمضي كل إلى حال سبيله.
هنا تطرح عقبة أخرى في وجه الأبوين، وهي رفض بعض الأبناء، فكرة أن يبني كل من الأب والأم حياته بعيدا عن الآخر. ويجد نصفه الثاني.
لماذا يرغب الأولاد في أن يكرس الأبوين -خاصة الأم-حياتهما كلها لهم، دون مراعاة شعورهما وتضحياتهما، ويستكثرون عليهما العيش في سلام مع شريك مناسب.
هل هي أنانية فجة من الأبناء؟ هل هي غيرة ليست في محلها؟ أم تقليد اجتماعي يجب اتباعه؟ أم ماذا؟
غالبًا ما ينشأ رفض الأبناء لارتباط أحد الوالدين بعد الطلاق من خليط معقد من العاطفة والخوف والعادات الاجتماعية. فالابن الصغير أو حتى الشاب قد يرى في ارتباط والده أو والدته خيانة لصورته المثالية عن الأسرة، أو تهديدًا لمكانته هو شخصيًا في قلب الوالد. وهذا ما يجعله يشعر بالغيرة وكأنه سيتقاسم حب والده أو والدته مع شخص آخر.
من ناحية أخرى، هناك ضغط اجتماعي يجعل الأبناء يتبنون بشكل لا واعٍ فكرة أن الأم تحديدًا يجب أن تظل متفرغة لهم، وكأنها فقدت حقها في السعادة الشخصية بعد الانفصال. بينما الحقيقة أن للأم والأب معًا الحق في إعادة بناء حياتهما، بل ربما يكون استقرارهما النفسي مع شريك مناسب عنصر أمان جديد للأبناء أنفسهم.
الأمر ليس بالضرورة أنانية أو قسوة من الأبناء، بل هو مزيج من الخوف من التغيير، والتعلق بالصورة التي اعتادوها، وتأثير المجتمع الذي يفرض معاييره على العائلة. لكن دور الحوار هنا أساسي، فإذا استطاع الأب أو الأم أن يشرح للأبناء أن هذا القرار لا ينتقص من حبهم لهم ولا يغير مكانتهم، فقد يخفف ذلك من مقاومة الأبناء ورفضهم.
في النهاية، قد تكون أصعب مهمة على الوالدين بعد الطلاق ليست الانفصال في حد ذاته، بل إقناع أبنائهم أن الحب والوفاء لهم لا يتعارض مع حقهم هم أيضًا في حياة جديدة أكثر توازنًا وسلامًا.
حقيقة، علاقاتنا يشوبها الكثير من التعقيدات والمغالطات بسبب التنشئة غير المتوازنة، والتربية غير الصحية وغير الصحيحة، بحيث لا أحد يعرف حدوده وما له وما عليه، وأين تقف حريته، مما ينتج عنه الكثير من التجاوزات وهضم حقوق الأفراد، والتخلي عن الواجبات، والتداخلات المتشابكة من الالتزامات المتنوعة.
يلزمنا وقفة تصحيحية لقواعد التربية، وأسس التنشئة، لخلق جيل جديد يؤمن بحقوق وحرية الفرد، يعرف واجباته وحقوقه، يقدر المسؤولية، ويحترم رغبات واختيارات غيره.
التعليقات