15

لماذا أصبح هناك ردود فعل مبالغة للأفعال التلقائية البسيطة؟

منذ عدة أيام كان هناك رد فعل تلقائي بسيط وجميل لفتاة تدعى هايدي ، تخلت بكل أريحية عن مصروفها وأهدت رجل فقير ثمن (الشيء) الذي قامت بشراءه ، لتنفجر منصات التواصل وحتى الصحف وبعض البرامج والمشاهير تعبيراً لرد فعل إيجابي نحو هذا الحدث ، ولكن المبالغة على رد فعل بسيط هو أمر يستدعى التأمل والسؤال، لماذا هذا الزخم على حدث قد يفعله الكثير من الأطفال بشكل يومي؟ وهل ما حدث وقامت به هايدي يستحق تكريم وممرات شرف لها وعمل لقاءات تلفزيونية مع أصدقائها لسرد تاريخ الفتاة (هل هذا منطقي بأي شكل)! وهل قيام طفل آخر بما فعلته (هايدي) سيقابل بذات الاحتفاء؟ وماذا عن شعور هايدي عندما تذهب الميديا والصحف عنها وينساها الجميع ، وتحاول أن تذكريهم إنها ذات الفتاة التي ساعدت فقير ؟المرعب أن المجتمع يتغافل عن تأثير الترند السلبي على نفوس الأطفال ، هناك طفل أسمه (علي) بعمر (هايدي) تقريباً هذا الطفل عبقري في الرياضيات من أسرة فقيرة وقد صرح في أحد الفيديوهات : أنا معنديش فيسبوك ولا أعرف يعني إيه ترند بس سمعت عن هايدي «فتاة الشبسي» ونفسي أتشهر زيها عشان حد يتكفل بتعليمي لأن بابا جامع خردة وأحنا غلابة !

فهل تقوم منصات التواصل والصحف والتلفاز لمتابعة قصة هذا الطفل، وهل يقوم المعلنين برعايته لأنه بحاجة ماسة لذلك أم تبقى الوسائل تلهس وراء الترند أو وراء من يتحكم فيه؟ والمشكلة أن جميع الناس تتابع التراندات دون الاهتمام بالقضايا الحقيقية دون أن يجيب أحد على السؤال لماذا أصبح هناك ردود فعل مبالغة للأفعال التلقائية البسيطة ؟


هنا نرى جانب مؤلم: أثر الترندات على الأطفال. فحين يرى طفل أن ما يُكافأ عليه ليس اجتهاده أو تفوقه، بل موقف عابر انتشر بالصدفة، تبدأ لديه مفاهيم مغلوطة عن النجاح، الشهرة، والقيمة.

ما يحدث ليس مجرد مبالغة في التفاعل، بل تشكيل لوعي مجتمعي مشوه، يُمجد اللحظة العابرة ويتجاهل المعاناة اليومية والجهد الحقيقي. وهنا تكمن مسؤولية الإعلام والمجتمع معًا: أن يعيدوا توجيه الضوء إلى حيث توجد الحاجة الحقيقية، وليس فقط حيث يوجد "اللايك" والمشاركة.

نعم لأن المجتمع تم تغذيته منذ زمن بعيد أن يلعب دور القطيع ، وتعمل الميديا على قيادة القطيع لتبني أفكار معينة أو نبذ أفكار معينة أو الحديث أو تجنب الحديث في مواضيع معينة ، وقليلاً هم من يثور على ذاك المنظور ويسير عكس القطيع .. لكن لو نشر الوعي بما يكفي ، وأعتاد الناس أن يحددوا بوعي وبكامل رغبتهم بما يجب وما لا يجب عليهم مشاهدته حينها قد يكون هناك فرصة حقيقية لكسر هذا القالب الذي تكون فيه الميديا فاعلة والناس مفعول به.