تخيّل أن كل ما تراه وتلمسه وتشمه، حتى جسدك، ليس سوى مجموعة من الذرات. لكن هذه الذرات، على عكس ما قد نتخيله، ليست كُتَلًا صلبة… بل هي في الحقيقة مليئة بالفراغ!
الذرة تتكوّن من نواة صغيرة للغاية في المركز – صغيرة إلى حدّ أنك لو كبّرت الذرة إلى حجم ملعب كرة، لكانت النواة بحجم نملة في المنتصف – وحولها تدور إلكترونات في فراغ شاسع. أتعلم؟ أكثر من 99.9999999999996٪ من حجم الذرة هو فراغ، فعليًّا!
أي أننا، بطريقة ما، نسير على الأرض، نأكل، نتحدث، ونختلف… وكلنا، في جوهرنا، فراغ منظّم!
أتتذكر تلك المشاهد القديمة في أفلام الكرتون، عندما كان البطل يخترق الجدران؟ تبدو فكرة خيالية، أليس كذلك؟ لكنها من زاوية ذرية، ليست بعيدة كل البعد عن الواقع.
الشيء الوحيد – أو لِنَقُل، أحد أهم العوامل – التي تمنعنا من اختراق الجدران هو وجود الإلكترونات، وهي جسيمات صغيرة تحمل شحنة سالبة، تدور حول نواة كل ذرة.
وبما أنّ كل الذرات تحتوي على إلكترونات، فكل ما يحيط بنا – بما في ذلك أجسامنا – يحمل شحنات سالبة.
وهنا تحضر قاعدة الفيزياء الذهبية: الشحنات المتشابهة تتنافر، والمختلفة تتجاذب.
لنقل انك الان تجاهلت كل من يصفك بالجنون وحاولت ان تخترق جدار غرفة الجلوس - لماذا لم تفعلها في غرفتك؟ الأجل الاستعراض؟ - فما الذي سيحدث؟ عدى ان اهل البيت سيظنونك قد فقدت صوابك ويذرفون الدموع على اموالهم التي أضاعوها على تعليمك.
فإن ثاني أهم شي سيحدث هو انك عندما تقترب يدك من الجدار، تبدأ إلكتروناتك - بالتشاجر- مع إلكترونات الجدار… وتمنعك من الاقتراب أكثر. والنتيجة؟ يدك تتوقف عند السطح، وكأن هناك حاجزًا غير مرئياً يمنعك.-هل كان الأمر يستحق دموع اهلك؟ -
لكن مهلاً، المسألة ليست محصورة في التنافر الكهربي فقط. ثمة ما هو أعمق، يُعرف بـ "مبدأ استبعاد باولي". وهذا المبدأ ياسادة ينص ببساطة على أنّه "لا يجوز لإلكترونين أن يشغلا الحالة الكمومية ذاتها في اللحظة ذاتها ضمن النظام نفسه".
بمعنى آخر-ابسط-؟ وكانه يُقال للإلكترونات: لكلٍّ منكم حيّز مستقل، لا ازدحام! لا احد يأخذ مكان الأخر!.
هذا القانون الغريب في عالم الكم هو الذي يمنع الذرّات من الانهيار فوق بعضها، ويُعد السبب الأساسي – خلف الكواليس – في وجود الصلابة والمسافة في عالمنا الملموس.
ثم نأتي إلى الجزء الأكثر إدهاشًا: ما الذي يجعل الزهرة زهرة، والقطة قطة، وأنت أنت؟ ما الذي يجعل الماء سائلاً يُشرب، والحديد صلبًا يُطرق؟
الجواب المذهل: الذرّات نفسها… لكن بترتيب مختلف!
ذرات الكربون والهيدروجين والأكسجين موجودة في الخبز، وفي الماء، وفي الهواء، وفيك أنت… لكن الفارق يكمن في "كيفية" ترتيبها، وفي طبيعة الروابط التي تجمع بينها، وفي التفاعلات التي تحدث بينها ضمن سياقات دقيقة.
أي أنّ الفارق بين جلدك وقطعة من الصخر ليس في نوع المادة، بل في طريقة تنظيمها، في هندستها الداخلية، في السياق الذي تعمل فيه.
أليست هذه الفكرة كفيلة بأن تملأك بالدهشة؟ أو على الأقل، أن تنتشلك للحظة من صخب الحياة اليومية، وتجعلك تسبح الله، الخالق العظيم الذي لا يمكن لعقولنا ان تتصور مدى عظمته.
سبحان الله.
التعليقات