القلق والأزمات الوجودية. ما الذي نطارده في الحياة؟

theBlackDuck

يطبق صدرك، فترفع رأسك. موج يعلو فيعلو فيحجب الشمس جالبا الظلام، ثم ينخفض فيتحول إلى تيار جارف يكسح كل ما في طريقه. موجة صادمة تفكك كيانك من الداخل إلى الخارج. عقل لا يتوقف عن التفكير وكأنما حياتك على المحك، أصوات لا تتوقف عن هدم آخر أبراج العقل التي مازالت صامدة. يد تدفعك من أعلى الهاوية -التي ما فتئت تحدق فيها- إلى أسفلها، إلى النهاية.

أزمة وجودية.

لم يتوقف الإنسان عن النظر بداخله بقدر نظره إلى خارجه. سأل كل ما خطر على باله من الأسئلة، ومن أهم تلك الأسئلة هو سؤال المعنى، الهدف.

الفلسفة، الدين، اﻹنسان. لماذا أصبح القلق متصدرا الحياة في عصرنا الحالي؟ ما الذي أدى إلى هذا، و ما الذي يمكننا أن نفعل حياله؟

هل ترى أن للحياة معنى مطلق، أم أن المعنى شيء شخصي، و ما هو أهم أهدافك في الحياة؟


نصّك عميق ومؤلم، يتلمّس تلك الزوايا المعتمة في النفس التي نخشى التحديق فيها طويلًا. فيه موجة صدق تحمل أسئلة وجودية لطالما صاحبت الإنسان منذ أن وعى نفسه، لكنها في عصرنا أصبحت أكثر إلحاحًا، أكثر قسوة.

لماذا أصبح القلق متصدراً في حياتنا الحديثة؟

اولا : تراكم الخيارات: لم يكن للإنسان في الماضي هذا الكم من الخيارات، وكل خيار اليوم يتبعه عبء، وندم، وإحساس بأنه ربما كان هناك ما هو أفضل.

ثانيا: تفكك القيم: مع تراجع تأثير الدين والمجتمع والعائلة كمرجعيات كليّة، أصبح كل فرد مسؤولًا عن بناء منظومته القيمية الخاصة، وهذا عبء ثقيل.

ثالتا : العزلة رغم الاتصال: نعيش متصلين طوال الوقت، لكننا نفتقد الصلة الحقيقية، العميقة، البسيطة.

رابعا: تسارع الزمن: لم يعد هناك وقت للوقوف، للتأمل، للتعافي. كل شيء يركض، ونحن نركض معه، ونفقد أنفسنا.

هل للحياة معنى مطلق أم أن المعنى شخصي؟

لا أظن أن هناك معنى مطلقًا واحدًا للحياة، على الأقل ليس في متناول الإدراك البشري. قد تطرحه الأديان، أو الفلسفات الكبرى، لكن الفرد لا يشعر به إلا إذا اختبره شخصيًا ، لذا أؤمن أن المعنى شخصي لكنه لا يتكوّن في العزلة ، نحن نبحث عن معنى من خلال علاقاتنا، أفعالنا، وأثرنا في العالم.

المعنى، في رأيي، ليس شيئًا نكتشفه فجأة، بل نصنعه يومًا بعد يوم.

وما هو أهم أهدافي في الحياة ؟

أن أبني جسورًا: بيني وبين نفسي، بيني وبين الآخرين، بين المعرفة والإنسان. أن أساهم في تهدئة هذا القلق الجمعي، لا عبر تزييف الواقع، بل عبر فهمه، قبوله، ثم تجاوزه.

وأن أعيش بما يكفي من الصدق واللطف يجعلني أطمئن وأنا أضع رأسي على الوسادة، أنني كنت إنسانًا يحاول.

وسؤالي لكِ الآن، وقد بدأتِ هذا الغوص في العمق:

هل تحسين أن المعنى يأتيك من الداخل، من اختياراتك وتوجهاتك، أم من الخارج، من علاقاتك وأهدافك ومحيطك؟

أراد الإنسان الحرية فكثرت خياراته فزاد قلقه. أراد الإتصال. أراد السرعة. صقل سلاحة ثم أمسكه من نصله المسموم بدلا من يده فجرح نفسه جرحا عميقا يأكله السم ولا يتعافى.

 لكن الفرد لا يشعر به إلا إذا اختبره شخصيًا ، لذا أؤمن أن المعنى شخصي لكنه لا يتكوّن في العزلة ، نحن نبحث عن معنى من خلال علاقاتنا، أفعالنا، وأثرنا في العالم.
المعنى، في رأيي، ليس شيئًا نكتشفه فجأة، بل نصنعه يومًا بعد يوم

أحببت منظورك للمعنى وكيف انه تجربه، خيار. الطريق وليس الهدف. يخلق و يتطور بتطورك و يتغير كما تتغير.

هل تحسين أن المعنى يأتيك من الداخل، من اختياراتك وتوجهاتك، أم من الخارج، من علاقاتك وأهدافك ومحيطك؟

في البداية يكون الإختيار، الرغبة، ثم تأتي الرحلة التي تتفاعل معها وتتفاعل معك فتخرج منها بمنظور مختلف دائم التجدد.

بالفعل نحن لا نولد وفي أيدينا "معنى" نعيشه، بل نخوض تجارب تصقلنا، وتعيد تشكيل ما نؤمن به، ونخرج منها دائمًا بنسخة أصدق من ذواتنا ، أعجبني وصفك للمعنى كـ"شيء يُصنع، لا يُكتشف فجأة"، لأنه يختصر كثيرًا من الخيبات التي نعاني منها حين نظن أننا سنصحو يومًا على "إجابة كبرى".

بل هو كما قلت: يُصنع، ويتطور، ويكبر كما نكبر .