لماذا نظن أنفسنا بأننا نعرف أكثر مما نعرفه بالفعل؟

 أتذكر في بداية حياتي المهنية، قال مديرنا لإحدى زميلات العمل"لا تتحدثي في شيء تظني بأنك تفهيمنه ولكن في الواقع لا تفهمي منه سواء القليل" ربما لهذه الجملة وقعًا كبيرًا عليّنا كموظفين. فكم مرة أدعينا بأننا نستطيع استخدام هذه البرامج التقنية كوننا شاهدنا فيديو حول استخدامها؟ وربما ذات يوم ظننا بأننا نستطيع إصلاح هذا الراديو القديم لمجرد أننا رأينا شخص ما استطاع إصلاح مثل هذه الأجهزة!

 هذا ما يُدعى في علم النفس ب وهم الفهم العميق (The Illusion of Explanatory Depth) فقد نميل إلى الاعتقاد بأننا نعرف ونفهم موضوعًا ما أكثر مما نعرفه ونفهمه بالفعل. ربما نجده بشكل أكبر عند التحدث عن المفاهيم والأنظمة المعقدة التي بحاجة إلى حل.

حسب علماء النفس، فإنّ وهم الفهم العميق ينشأ نتيجة الإلمام السطحي بالمفاهيم العامة دون التعمق بها، فضلًا عن غياب الممارسة العملية و الشعور الزائف بالخبرة قد يدفعنا إلى نظن أنفسنا بأنّ نمتلك المعرفة التامة بل خبراء ومتخصصين بهذه المفاهيم أو المواضيع المختلفة.

ونتيجة لوجود مثل هذا الوهم لدي البعض منا إن لم يكن الكثير منا؛ أردت أن نتناقش كيف نتغلب على هذا الوهم والكشف عن معرفتنا الحقيقية بدلاً من الاعتماد على ثقتنا المفرطة في أنفسنا وفي المعرفة التي نمتلكها؟


التعليق السابق
هذا الوهم ليس مجرد خطأ معرفي عابر بل هو مرض العصر الرقمي الذي حوّلنا إلى جيل من المتحدثين بلا خبرة!

وللاسف ربما المستقبل القريب ومع ظل وجود أدوات الذكاء الاصطناعي واللجوء إليها اثناء تنفيذ مهم سوف يستشري هذا الوهم كالسرطان، فالبعض سيظن نفسه بأنه حقًا يمتلك المعرفة الكافية في مختلف المواضيع

. إما أن نخوض هذه الرحلة بشجاعة

كيف سنخوض هذه الرحلة دون نقع ضحية لهذا الوهم؟

أعتقد أن الخطوة الأولى تبدأ من التمييز بين المعلومة والمعرفة. فالمعلومة هي إجابة جاهزة نحصل عليها من الخارج، دون أن نمر بتجربة شخصية معها. أما المعرفة، فهي أعمق بكثير: تتكوّن من خلال التجربة، والفهم، والتحليل، وربط المفاهيم بالواقع، وهكذا نصل إلى الفهم الحقيقي. صحيح أننا لا نستطيع دائمًا تجنّب استقبال المعلومات الجاهزة، لكننا نملك القدرة على تحويل المعلومة الى معرفة. كيف؟ عندما نبحث عن شيء ونجده، نكون قد حصلنا على معلومة. لكننا نرتقي بها إلى مستوى المعرفة حين نعيشها، ونختبرها، ونحللها، ونعيد إنتاجها بما يتوافق مع وعينا وتجربتنا، فنمنحها بُعدًا خاصًا بنا. من وجهة نظري، الذكاء الاصطناعي ليس خصمًا للمعرفة، بل قد يكون شريكًا فعّالًا في تعزيز عملية التفكير. البشر بطبيعتهم يميلون إلى تبسيط الأمور المعقدة، فيلجؤون إلى الأدوات لتسريع الفهم. لكن المشكلة ليست في الأداة، بل في طريقة استخدامها. الخطأ الفادح هو أن نأخذ المعلومة كما هي، دون أن نضيف إليها لمستنا الشخصية أو نحاكمها بفكرنا. أن نكتفي بالإجابات الجاهزة دون مراجعة أو تأمل، يجعلنا نكرر ما يُقال ولا نُنتج معرفة حقيقية. برأيي، المعرفة الحقيقية هي نتيجة تزاوج بين المعلومة والتجربة، بين ما يُقال لنا وما نعيشه بأنفسنا، بين ما نأخذه وما نضيفه منّا نحن. الذكاء الاصطناعي ليس المشكلة، بل الاستعمال السطحي له. إما أن نستعمله كأداة تفكير تساعدنا على التوسّع، أو نتركه يتحوّل إلى بديل للتفكير، وهنا يكمن الفارق الكبير: بين إنسان يُفكّر، وآخر يتوهّم أنه يفعل.