مقولاتٌ مأثورة من أعلامٍ مهجورة

قال العلّامة ابن خلدون في مقدمته المشهورة عن تلقين العلوم:-

اعلم أنّ تلقين العلوم للمتعلّمين إنّما يكون مفيدا إذا كان على التّدريج شيئا فشيئا وقليلا قليلا يلقى عليه أوّلا مسائل من كلّ باب من الفنّ هي أصول ذلك الباب. ويقرّب له في شرحها على سبيل الإجمال ويراعى في ذلك قوّة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتّى ينتهي إلى آخر الفنّ وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلّا أنّها جزئيّة وضعيفة. وغايتها أنّها هيّأته لفهم الفنّ وتحصيل مسائله. ثمّ يرجع به إلى الفنّ ثانية فيرفعه في التّلقين عن تلك الرّتبة إلى أعلى منها ويستوفي الشّرح والبيان ويخرج عن الإجمال ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفنّ فتجود ملكته. ثمّ يرجع به وقد شدّ فلا يترك عويصا ولا مهمّا ولا مغلقا إلّا وضّحه وفتح له مقفله فيخلص من الفنّ وقد استولى على ملكته هذا وجه التّعليم المفيد وهو كما رأيت إنّما يحصل في ثلاث تكرارات.


التعليق السابق

السلام عليكم ، أما بعدُ فنعم من الأكيد في العصر الحالي لا يوجد اهتمام كبير في وطننا العربي في كثير من المجالات البالغة الأهمية منها الفلسفة والمنطق والرياضيات بل وحتى الأدب فلا تجد في الأسواق الآن إلا الكثير من الروايات المبتذلة فهي وإن كانت لم تضف لقارئِها بل وزادت أنها أضاعت وقته في سخافات.

أما عن أسباب إهمالنا للفلسفة بل وللكثير من العلوم فهي كثيرة منها:

  • صراع الشباب في عيش حياة رغيدة بسبب سوء الظروف الإقتصادية (في مصر على الأقل) فكثرة الضغوطات على الشباب من البحث عن عمل جيد إلى زواج وإنجاب وغيره أدي إلى صبهم جام جهودهم وتركيزهم على ذلك فقط
  • اختيار الكثيرين للراحة بدل التأمل والتفكر بل وحتى القراءة.
  • كثرة الملهيات في القرن الحالي من ظهور وسائل التواصل الاجتماعي لغيرها من باقي الملاهي ، ونعم هي كغيرها من الأشياء يمكن استخدامها في الجيد والسئ ولكن الإنسان بطبيعته يميل إلى إشباع رغباته وشهواته ومن أحب الرغبات إلى نفس الإنسان هي الراحة والكسل وعدم بذل الجهد.
  • ندرة وجود المجالس الثقافية في بلادنا ففي القديم كثرت المجالس في كثير من العلوم والآداب.
  • اختفاء مهنة الكاتب في بلادنا فكان الكتاب والعلماء قديما يحظون بالكثير من الرفعة وعلو القدر والمكانة.
  • انكماش الناس على معتقداتهم ، والخوف من الخروج مما يُعرف بال comfort zone فالكثير يفكر في "لماذا أقلق راحتي وأظل أفكر وأفكر وأفكر" فكثيرٌ من مسلمي اليوم مثلاً لا يعرفون حتى ما الفرق بين الأشاعرة والماتريدية والسلفية بل البعض لا يعلم حتى ما هو الفرق بين العقيدة والشريعة فمن الصعب جداً إنْ لم ينظروا إلى ماذا يتقلدون في دينهم أنْ ينظروا إلى مواضيع مثل علم الكلام والفلسفة الإسلامية وأنْ يعرفوا فلسفات المتقدمين ، هؤلاء المتقدمين الذين كانوا وفلسفاتهم وآدابهم وعلومهم لهم أشد التأثير في قيام الحضارة الغربية وسطوع ما يسمى ب "عصر الحداثة".
  • الاستغراب ونظرة الكثيرين -من الجاهلين بتراث أجدادهم- نظرة فيها من التبجيل الكبير جداً والمبالغ فيه للحضارة الغربية ، فنحن حتى لم نسعى لتقليدهم فيما وصلوا إليه من العلوم الطبيعية بل وأصبح كثرٌ يشيدون بهم دون أن يحركوا ساكنا.

أظن أن هذي نقاط عامة لبعض أسباب إهمال إعمال الفكر لأني أظن أن إهمالنا لفلسفات المتقدمين أساسه هو تواري الفلسفة عن الأنظار أصلا ك شئ مهم في عصرنا الحالي.

أعلم أن عوام البشر كانوا كثيرين في العصور المتقدمة مثلما هم في عصورنا المتأخرة ولكن عندما بدأ العصر الذهبي للإسلام وزادت الانتاجات الفكرية والفلسفية قل معها العوام وهذا منطقي جداً في كل حضارة إذا اهتمت هي بالعلوم وبإحياء أفكار من سبقوها.

وشكراً لتعليقك علي.