لماذا نفرغ ضغوطنا وغضبنا على الحلقة الأضعف؟

قرأت من قبل في أحد الكتب أن من أهم الممارسات التي على الإنسان أن يتبعها "في حالة مروره ببعض الضغوط" حتى لا تفسد عليه حياته بمختلف نواحيها هو "حل كل شئٍ في مكانه" وكيف هذا ؟

أي أنك على سبيل المثال إن كنت تواجه ضغوطاً في عملك فعليك أن تحل تلك الضغوط في مكان عملك "فقط"، حتى إذا خرجت من عملك وتوجهت لبيتك صببت كل اهتمامك لأسرتك "فقط" حتى وإن كانت ضغوط العمل لم تحل بعد فلا بد ألا يتداخل الأمران معاً، ولا بد أن تؤجل أمر العمل إلى حين الذهاب للعمل، هذا إن كنت تريد أن تنعم بحياة هادئة.

قد تتسائل..لماذا؟

لأنه إن لم تفعل ذلك، وجعلت عقلك ملك لضغوطك فسيفسد عليك أمر عملك باقي مناحي حياتك..الإجتماعية والأسرية وغيرها، وتحدثنا عن العمل كمثال فقط، فلا يجب أن تؤثر مشكلات البيت بالعمل كذلك لأنها قد تفسد العمل وقس على هذا كل مناحي الحياة .

دعنا نقولها بصراحة يا صديقي، إن تنفيذ ذلك لا يخلوا من الصعوبة، وقد لا يتقنه الإنسان إلا بعد محاولاتِ عديدة، ومن ضمن أكبر العوائق في هذا الأمر هو "رمي الضغوط على الطرف الأضعف" وذلك توضحه قصة للكاتب الروسي تولستوي يقول فيها :

كانت ربة المنزل توقظ خادماتها كل ليلة وتأمرهن بالعمل عند أول صيحة للديك. بدأ ذلك، في نهاية الأمر، شاقًا على الخادمات، ففكرن أن يذبحن الديك حتى لا يوقظ سيدتهن. وذبحنه، لكن حظهن ازداد سوءا؛ ذلك أن ربة المنزل أخذت توقظ خادماتها أبكر من ذي قبل، خشية ألا تستيقظ في الوقت المناسب.

تعقيب:

من عادات البشر إلقاء اللوم على الحلقة الأضعف دومًا، ليس الديك هو المُلام، إنما الخادمات لا يستطعن مواجهة ربة البيت، فكان الهجوم على الديك.كم مرة كُسر "المنبه" لأن جرسه رن لأيقاظ أحدهم ليقوم إلى عمله، وكم مرة وجهنا اللوم للمسؤول المباشر عن قرار هو يشرف على تنفيذه ولم يتخذه هو!

ما لم تواجه الخادمات ربة المنزل مواجهة مباشرة، فحالهن إلى الأسوأ بكل تأكيد.

وكذلك أنت، واجه من ينكد عليك عيشك ولا تُفرغ غضبك في غيره!.

وفي هذه الأمر لدي سؤالان:

كيف ننجح في الفصل بين مناحي حياتنا "على سبيل المثال كيف نفصل بين مشكلات البيت حتى لا تؤثر في العمل والعكس" ؟ وهل هناك أسباب أخرى تدفعنا لإخراج غضبنا وضغوطنا على الطرف الأضعف؟


ظروف الحياة صعبة وتجبرنا أحيانا ً على التعامل مع ضغوطات الآخرين وكأن ما لدينا من الضغوطات والمسؤوليات ليس كافياً..... الإنسان الضعيف فقط هو من يقوم بإسقاط غضبه على الآخرين حتى وإن كان بموقع سلطة..... نعم الكثيرون ممن يشغلون مواقع السلطة اشخاص ضعفاء يفرغون غضبهم وألمهم وحزنهم في مرؤوسيهم.... ولكن هناك من المرؤوسين من هو أقوى من هذا الذي يفرغ غضبه عليه...

عندما يصبح الإنسان "طنجرة ضغط" فهو سيقوم بإفراغ ونفث دخانه على يقوم بفتح الغطاء... سواء كان صديقاً أم أخاً ام زوجةً أم ابناً أو بائعاً في مكان ما.... فهو يعاني من عدم قدرته على تفريغ ما يشعر به من ألم أو ضغط ويعتقد أن من حقه التفريغ على أي شخص قد يجلبه سوء حظه ليكون في مواجهته عند لحظة الإنفجار.... الإنسان العاقل لا يقبل أن يكون هذا الوعاء الغاضب، ولماذا لا نستطيع التعامل بشكل مباشر مع من سبب لنا الغضب الذي نبحث عن مستودع له؟ ربما هو الخوف من المواجهة والقلق من فقدان عمل وربما التربية الصارمة التي فرضت على هذا الشخص أن لا يجيب وأن يقبل بأي وضع على أساس انه "مؤدب" ولا يجب أن يرد وعليه فقط أن يستمع ويقبل بما يسمع... وهُنا يظهر السؤال المهم: هل باستطاعتي التعامل مع شخص يفرغ غضبه علي بحكمه وأنا متزن ودون أن أفقد أعصابي أم أنه يجب علي الإنفجار في وجه شخص أضعف مني ويتحمل ما قد يصدر عني؟

على سبيل المثال: مدير يصرخ على موظف لعدم قيامه بأمر ما... كيف يتصرف الموظف إزاء هذا الأمر؟ هل عليه رد الإساءة بمثلها والصياح على المدير وتعقيد الوضع أكثر أم أن بإمكانه التعامل مع هذه الثورة بشكل آخر؟

المدير الذي يصرخ هو بمثابة "طنجرة/وعاء ضغط" ويتصرف كأنه بركان ثائر وأعتقد أن الصمت (الآني) هو أفضل طريقة للتعامل مع هذا الشخص.... بالطبع ستهدأ ثورة هذا البركان وحينها فقط بإمكان الشخص المقابل التعامل معها... بإمكان ذلك الموظف التوجه إلى ذلك المدير في اليوم التالي ومناقشة ما حصل وإبلاغه انه يرفض هذا الأسلوب في التعامل وأن من حقه أن يكتب فيك مذكرة أو حتى أن يقوم بإجراء رسمي تجاهه في حال اخطأتبالعمل، ولكن ليس من حقه التنفيس عن غضبه بهذا الأسلوب الفج.... ولكن بالطبع في حالات كثيرة قد لا يستطيع هذا الموظف القيام بمثل هذا التصرف لخوفه من ردة فعل المدير وقلقه على وظيفته.

وإذا افترضنا أن هذا الشخص لم يستطع القيام بهذه الخطوة لأي سبب كان فمن الافضل عدم التوجه إلى المنزل مباشرة بعد العمل...... ، هناك تقنيات بإمكان الإنسان القيام بها منها التنفيس بتعلم تقنيات الإسترخاء بالتنفس أو الاسترخاء العضلي أو اللجوء إلى الرياضة أو بالمشي لمسافة في أسوأ الأحوال، وحينها بإمكانك فتح حوار مع نفسك وأن تسألها: لماذا أقبل بهذا الأمر؟ وهل من الجميل ان أكون مثل هذا البركان وأنفس عن انفعالاتي بوجه شخص يحبني ولم يؤذني بشيء؟

أعتقد أن على الإنسان أن يتعامل مع نفسه ويحل مشاكله التي لاتمكنه من أخذ موقف حينما يكون من الضروري أن يتصرف.... وفي بعض الأحيان وعندما يفشل الإنسان بحل مثل هذه الصراعات ويرى أنه أصبح ينفس عن انفعالاته بأسلوب يسيء للآخرين ممن ليس لهم ذنب فيما يشعر به فعليه اللجوء لطلب المساعدة من مختص.... فعندما يسقط الإنسان غضبه على شخص ليس له ذنب فإنه يتصرف تماما مثلما تصرف ذلك "البركان" الثائر معه... وقد يصل الأمر إلى حد أن يخسر أشخاصاً بحبهم ...فقط لأنه لا يستطبع التعامل مع الضغط الواقع عليه من شخص أعلى منه وظيفياً أو إجتماعياً.