هل فعلا يتجه العالم نحو الأسوء؟

rayanabd98

باتت أيامنا لا تخلو من عبارات مثل "الله يستر من الأعظم" و"سنترحم على هذه الأيام" و"أصبحنا في آخر الزمان" و"الآتي أسوء". كلها عبارات تبث التشاؤم والرعب في قلوبنا، على الرغم من أننا نميل إلى تصديقها أو على الأقل لا ننظر إلى المستقبل بتفاؤل. 

فعالمنا اليوم مليئ بالظواهر المثيرة للقلق كالحروب وكثرة النزاعات والأوبئة وتراجع الضوابط الاجتماعية، ولكن هل فعلا الأمور بهذا السوء؟ وهل من عصر مر خلا من المصائب والحروب والمآسي التي تفوق شناعة ما يحدث الآن؟ كالحرب العالمية مثلا؟ فإن فكرنا بموضوعية، سنجد أننا نميل إلى توقع الأسوء بشكل مبالغ فيه، وهذا تحيز معرفي يدعى بالاعتقاد بالانحدارية أو "declinism". 

فهذا التحيز المعرفي يخدع عقلنا، فيصور له الماضي على أنه أفضل مما كان فعليا في حين يصور المستقبل على أنه سلبي ويحمل أحداث غير مرغوبة.

 فعلى سبيل المثال، أظهر استبيان إنكليزي نشر في العام 2015 أن البريطانيين يعتبرون أن الأمور في السابق كانت أفضل. أما الحقيقية فهي أنهم كانوا ينعمون بظروف حياتية أفضل من أي وقت مضى في وقت الاستبيان. فهذه واحدة من الكثير من الدراسات العلمية المثبتة التي تبرهن ميلنا إلى تجميل الماضي والتشاؤم من المستقبل. لذلك لماذا لا نلقي نظرة على تاريخ الكوارث والمآسي منذ قديم الزمان حتى الآن، أفليس لكل زمن نصيبه من السلبية؟ 

فقبل أن نطلق الأحكام والتنبؤات، علينا فهم كيفية عمل عقلنا وما الخدع التي يمارسها علينا كي نستطيع رؤية الأمور بوضوح. فنحن كجيل جديد، نشعر بالإحباط من انتشار هذه الظاهرة بشكل مفرط على الرغم من أننا ندرك صعوبات عصرنا ومخاطره. 

ومن أفضل الكتب التي تناولت هذه الظاهرة بشكل عملي هو كتاب الإلمام بالحقيقة: عشرة أسباب تجعلنا مخطئين بشأن العالم وعلة كون الأمور أفضل مما تظن، وقد تناول عشر غرائز تشوه وجهات نظرنا ورؤيتنا للأمور، ويكشف لنا كيف نبني رأي ونفهم الأمور والظواهر بواقعية وبدون أن نتحيز أو نخضع لأي تأثيرات تشوش علينا هذا القرار.

فبكل موضوعية وصراحة، وبناء على معطيات محددة لا مجرد أحاسيس، هل تعتقدون فعلا أن العالم ذاهب إلى الأسوء والماضي كان أفضل حالا؟ 


مرّت على البشرية كوارث عديدة دمرت حضاراتٍ بأكملها وشهد التاريخ مراحل صعودٍ وهبوطٍ في مناطق متعددة بالعالم، من يقرأ عنها اليوم قد ينهيها في صفحاتٍ معدودة أو في سويعاتٍ يقضيها في مشاهدة سلسلة وثائقية، بينما مرت تلك المآسي بطيئة وثقيلة على من عاشوا لحظاتها العصيبة ومراحلها الأليمة، ولا ندري اليوم هل نحن نعيش نهاية العالم أم أنها مجردّ مرحلةٍ أخرى من مراحل تاريخنا المتقلب، لدينا خبراء معنيون بالمستقبليات بناءً على الأرقام والأحداث المتسارعة التي نمر بها، تقاريرهم لا تبشر بخير في الأغلب، ولكن لو عدنا بالزمان ألى أيام الازدهار والرخاء في الأندلس، هل كان معظم أهل البلاد يدركون أنّ الترف الذي يعيشون به سيكونَ بداية النهاية لهم؟! ولو تقدمنا لزمن الحرب العالمية الثانية والدمار الذي حلّ بأوروبا، كيف رأى أهل تلك البلدان مستقبلهم ومستقبل العالم والطائرات تلقي بأطنان المتفجرات فوق رؤوسهم (أنا أبسط الأمور هنا لكي تصل الفكرة فتلك الأحداث مليئة بالتفاصيل والتعقيدات التي قادت للتحولات التي شهدناها)، خلاصة الأمر أنّ الحياة ستستمر إلى أن يشاء الله رغم استمرار المآسي والظلم والبشري.

على المستوى الفردي، لا بديل عن الاستمرار بالسير مهما كان العالم سيئاً أو جيداً، قد تعيش في أكثر البلدان والعصور رخاءً وتتعرض لمصيبة شخصية تنغص عليك عيشك، وقد تعيش حياة الكفاف والخطر وتنعم بسكينة لا يملكها أهل القصور، وبعيداً عن التحليلات والانطباعات، وحتى لو كان الماضي أفضل بجميع المعايير، فأن الماضي لا يعود، ولا بديل عن التقدم للجديد!

السؤال هنا كيف نتعامل على المستوى النفسيّ والعملي مع تحولات العالم خلال مدة حياتنا القصيرة؟!

أعتقد أنّ الإيمان بالقدر خيره وشرّه من أعظم ما يعزز سكينة الإنسان، فتسليم الأمر لله مع الأخذ بالأسباب يريح المؤمن من حالة "الفزع" التي قد تصيبه مما يتعرض له يومياً من أحداث وما يسمعه من أخبار سيئة ومحبطة للنفس "فلو أن الخلق كلهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه" كما جاء في الحديث النبويّ.

لستُ متفائلاً بالمطلق، وقد أرى في بعض تعبيرات التفاؤل سذاجة وتضليلاً للناس، إلى أنني أؤمن بمبدأ "تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة" وأؤمن بأنّ العمل المستمر وإن تواضعت نتائجه أفضل من القعود والإحباط المهلك للنفس..