عقد اجتماعي جديد ... بين مطرقة حق الخصوصية وسندان الرفاه

العقد الإجتماعي الجديد

في إحدى أقصوصات الأطفال للجيل القديم والتي عنونها ساردها "جربي يافاطمة"، ظهرت تجليات مشهد فلسفي مصغر يضعنا أمام جدلية الحرية المطلقة والفوضى والتي تقابل الحرية المقننة والإمتيازات الإجتماعية .

لقد قيد التردد الدائم على المدرسة من حرية "فاطمة" إلى أن قررت التخلي عن إلتزامها هذا والإقتداء بحياة القطط الحرة مما أفقدها سيل الإمتيازات وسط أسرتها الصغيرة وسرعان ما هرعت لتعانق إلتزاماتها الإجتماعية مقابل ما توفره لها أسرتها من حقوق .

إن مشهد "فاطمة" وهي تعود للإلتزام المجتمعي مقابل التخلي عن حريتها المطلقة ،طرح التساؤل المركزي ومثل مربط الفرس لدى المجتمعات الإنسانية في الفصل بين الطبيعة والثقافة .

فبعدما انتهى الإنسان من السعي وراء غريزة البقاء ، وشدته الغريزة للحفاظ على نوعه وجنسه ،فتزاوج الزمن والتطور لتتمزق شرارة الإدراك داخل عقله البشري ،وهو يتساؤل عن أصول الأشياء وايبستيمولوجيتها ،تائقا إلى لم جزيئات الحقيقة المبعثرة في أرجاء الإدراك .ليتمخض هذا العقل فينجب إيديولوجيات وفلسفات وقوانين ، من خلالها بدأت المفاهيم تتجذر وبدأت الفلسفات تنظر في محاولة العدل بين الحرية المطلقة والحماية الإجتماعية ،فكشفت الفلسفات الأخلاقية ثوبها في بداية القرن 19 عن نظريات تهتم بمدى شرعية السلطة الحاكمة على الأفراد فولد "العقد الإجتماعي"مع" توماس هوبس" و"جون جاك روسو" ، والتي نادت بشكل ضمني وصريح بالتخلي عن البعض من الحرية مقابل الخضوع لسلطة الحاكم أو الدولة رغبة في حماية الحقوق .

لقد سعى منظرو العقد الإجتماعي للبرهنة على الأسباب المعقولة لجعل الفرد العقلاني في التخلي طواعية عن حريته الطبيعية من أجل منافع النظام السياسي .

إن مجمل القيم المميزة للإنسان بصفة عامة سواء المفروضة من قبل الطبيعة أو الثقافة والتي قد تتغير بفعل التاريخ أو السياق الزمني أو ربما قد تحمل هذه الخصائص نفسها في إسقاط آخر وتحور جديد يعاصر وقته والخصائص الجغرافية للمكان .

فمن المرجح أن نظرية" هوبز" لطالما وجدت مكانا لها مادام مفهوم الدولة والفلسفة السياسية والأخلاقية قائما رغم تغير المجتمعات وتعاقب الحروب والثورات التي رسمت ملامح التاريخ والمجتمعات إلى ثوراثنا الرقمية هذه و التي تكاد تشكل خرائطا جديدة في بنية المجتمعات والوعي الجماعي ،فهاهو العقد الإجتماعي الآن مرة أخرى يطرح نفسه بنسخته الجديدة ويطرحه الجدل القائم بين دعاة حماية حرية الخصوصية وبين المطالبين بإعطاء الأفضلية على حساب الخصوصية .فبعدما جعل التطور الرقمي حياتنا أكثر رفاه ،ووهبنا اكتشافات رفعت أرقام و مؤشر الإستهلاك بسخاء ،فقيدت حركات المواطنين عبر كاميرات المراقبة المزروعة في كل مكان وكل جهاز متطور في بعض الدول وصارت الهواتف والمعاملات الإدارية والتحركات مسجلة على شكل بيانات لا حد لها من خلال تطبيقات نحملها كل يوم ترصد كافة اهتماماتنا.

فلبست بهذا ثوب ولي الأمر المراقب وعباءة السلطة الحاكمة التي تخيرك بين رفاهية وسهولة نمط يومك وتوليها الرقابة عليك وبين حرية حياتك الخاصة .


الإعلامية ديمة الخطيب، والمتواجدة بقوة على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، تقول، "بالنسبة لمن يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد هناك خصوصية، بل بقايا خصوصية نحاول انتشالها كي نحافظ عليها وهذا فيما يتعلق بنوع اخر من انتهاك الخصوصية المتمثل في السوشيال ميديا، لكن فيما يتعلق في خصوصية اليوم بشكل عام فهي للأسف انعدمت في كثير من الجوانب فاليوم اصبحنا جميعها سهلين الوصول بمجرد اقتناءنا للهاتف الذكي بمعنى أن أي جميع تحركاتنا اصبحت مرصودة من قبل اخرين ابدأها بالأصدقاء والاسرة الذين يريدون دائما معرفة تفاصيل حياتنا وثم الشركات العملاقة التي اصبحت تفرض علينا حتى ما نريد شراءه ونعتقد اننا احرار في اختيارتنا!