"الإنسان هو معيار كل شيء"-بروتاغوراس
بروتاغوراس كما نعلم هو كبير السوفسطائيين، المعرفة عنده هي معرفة حسية تتأثر بالحواس، بالتالي فهي ذاتية بحتة...
في محاولة بائسة مني لفهم المعنى المقصود وراء هذا القول، جربت أن آخذه على أن الإنسان هو الذي يقرر مجرى الأمور في ظل كل ما يتحرك حوله.
فلم يبدو ذلك واضحا... كان من الممكن أن أذهب مباشرة لمحركات البحث لأبحث عن القصد منها تحديدا، لكن ما المغزى إن لم أفكر فيها بنفسي لأكون نظرتي الخاصة.
نحن بني الإنسان، لا يمكننا إنكار أثرنا على هذه الأرض؛ نسعى فيها سلبا أو إيجابا ونعيش حروبا وأفكارا وتضاربات وسلما، لكن تناقضاتنا عجيبة واختلافاتنا واسعة ونجهل الكثير من الأمور، فكيف لنا أن نكون مركزا ومعيارا إذن؟
هنا نعود لنحاول ربط نظرة بروتاغوراس للمعرفة، مع قوله... فيتأتى لنا بذلك أنه لا وجود لحقائق مطلقة عنده لأنها تتحدد حسب حواس الإنسان وما يراه، بالتالي فالكائن الوحيد الذي يعين الحقائق هو الإنسان ليصبح الأمر بذلك نسبيا.
هذه النظرة لا تقنعني كثيرا لأني اعتبر أن الحقيقة المطلقة موجودة ونحن من نجهلها فقط وأعتقد أننا نعيش في الحياة ونحن نحاول الوصول إليها مع تطور الأزمنة من جيل إلى جيل...
هل تعتقد أن الإنسان هو معيار كل شيئ حقا؟
ربما يصح أن يُقال أن من السفسطة إلى حد كبير البحث عن معاني كلمات السفسطائيين، فمنتهى فلسفتهم هدم الحقائق المطلقة، وإذا هدمت الحقائق، فلا معنى لكل شيء، ولا معنى لكلماتهم، واسمحي لي قبل أن أوضح وجهة نظري تجاه ما ذُكر من موافقة واعتراض، أن اتكلم قليلا عن الجملة بحد ذاتها.
في الحقيقة أجد أن الجملة تحتمل أكثر من معنى، وهذا لم يخفى على أحد على كل حال، ولكن مشكلة هذه الجمل أن أيا كان المعنى المقصود منها فذلك لا قيمة له، لأنها يغلب ما تكون عامة فضفاضة لا يمكن بناء أحكام واقعية عليها، فإن كان الإنسان هو معيار كل شيء، فأي أنسان؟ وإذا كان معيار بروتاغوراس الإنسان هو صوابية جملته، فهل يبطل صوابيتها معيار انسان آخر؟ ثم لو قلنا أن المعيار إنما هو منفعة الإنسانية، فما هي المنفعة وما هي الإنسانية؟ وكما قيل مصائب قوم عند قوم فوائد، فهذه الجمل مشكلة، ومن وجهة نظري وقد اكون مخطئ أن أمثال هذه العبارات لا تصلح سوى للجدال، وذلك ما برع فيه السفسطائيون، ولا تصلح لإقامة اي حجة.
أما رأيي بشأن كلامك، فأتفق بشكل واضح في أن الحقيقة المطلقة موجودة، وذلك مسألة بديهية لا يجدر بأحد إنكارها على كل حال، لأن إنكارها يهدم كل شيء - المشكلة أن البعض يظن أن فكرة نسبية الصواب تضع حدا لبعض أنواع التطرف والحروب، ولكن الحقيقة إذا لم يكن هنالك أي حقيقة، فلا معنى لوضع حد للتطرف والحروب اصلا - فذلك الجانب الذي اتفق بشأنه معك، أما ما اختلف بشأنه، ففكرة اننا لا نعرف الحقيقة تلك بعد! واسمحي لي ان أتقدم ببعض الصراحة، ولكن هذه الفكرة سخيفة، لأن الحقيقة إن لم نعرفها فلا قيمة لإيماننا بوجودها، بالطبع ذلك سينجينا من مآزق السفسطة، وعلى الأقل يسمح لنا بالتسليم مبدئيا بوجود معايير ثابتة للصواب والخطأ، ولكن معرفتنا بوجود صواب وخطأ، من دون ان نعرف ما هو الصواب والخطأ، ليس بشيء مفيد حقا! بالطبع لم تكن عبارتك هذه لتكون مشكلة لو تكلمتِ عن نفسك وحسب، أو عن مسألة خاصة، أما على العموم هكذا من الوجهين، فذلك غير صحيح، ولعلّ التعبير لم يحالف مقصدك وحسب.
وهل اعتقد ان الانسان هو معيار كل شيء؟
أعتقد أن رأيي واضح، ولكني اريد أن أضيف نقطة وحسب، الإنسان ككائن هو أبعد ما يكون عن المثالية، لو وضع بين العيب والمثالية، لمال نحو العيب في كل مرة، يولد جاهلا ضعيفا، - هذا قد يكسر الكثير من الخيالات تجاه الإنسان والإنسانية المعاصرة، ولكن ذلك واقعه وحسب! - الآن كيف لشيء بهذا الضعف والتذبذب والغموض أن يكون معيارا لأي شيء؟ وإنما من يقول ذلك إنما يغلب أن يريد نفي المعيارية اساسا وحسب.
التعليقات