ما معنى أفكار إيجابية؟ (من فيكم يا فلاسفة لديه الإجابة؟)
نشرت موضوعا قصيرا من قبل عن علاقة الإدراك بالإنفعال. بالرغم من بساطته الشديدة (لا أحد يفهم ما أقوله إلا إذا بسطته كثيرا) و هدفه الإيجابي تجنب بعض المستخدمين الرد عليه بل أنشأوا مواضيع تتحدث بلهجة عدوانية مستترة (يالها من إيجابية) عن أني متشائم و "سلبي" رغم أني حرفيا أعطيت الطريقة العلمية الصحيحة الوحيدة المثبتة لكي تصبح في مزاج إيجابي.
أنا أريد أن أصبح إيجابيا إذا، لكن قبل ذلك أريد أن أفهم معنى ذلك، فهل يمكنكم يا من ترددون هذا المصطلح أن تعرفوه؟ لأني لا أملك أدنى فكرة عن معناه؟
هناك ثلاثة خيارات لا غير:
الأفكار المطابقة للواقع، حتى ولو كنا نريدها أن لا تكون كذلك، أو نتيجتها غير جيدة، مثلا: بسبب قبحي لن يتقدم أي أحد لخطبتي.
الأفكار التي نريدها أن تكون صحيحة، حتى ولم تكن كذلك: أكد أحد الأطباء بكل ثقة أنك مصاب بالسرطان، بينما نفى آخر ذلك.
التفكير الإيجابي في هذه الحالة هو التصديق بأنك غير مصاب به و لا تحتاج لأي فحص إضافي.
مثال آخر: أنا معجب بشخص ما لكنه يتجنبني، سأصدق أنه يبادلني الإعجاب رغم ذلك.
الأفكار التي نتيجتها جيدة، وليس بالضرورة نريدها أن تكون صحيحة أو تكون مطابقة للواقع.
مثلا كذب علي طبيب و أخبرني أني مصاب بمرحلة أولية من السرطان، فبسبب الخوف الطبيعي من الموت قمت بالإقلاع عن التدخين. وهذه نتيجة إيجابية.
أي أحد يستطيع فعل أي شيء كما تقولون، فعدم القدرة على تعريف المصطلخ هي دليل على الفشل الأكاديمي.
ما هي الفكرة الإيجابية؟
إذا أردت أن أضع مفهومًا للتفكير الإيجابي فسأقول "البراغماتية"، لقد لاحظت تفضيل البعض للمفردات المقعدة، على أني لا أحبها، وعلى كلٍ، هي البراغماتية، البراجماتية، البرائماتية، العملانية، توجه فلسفي ظهر في الفصل الأخير من القرن التاسع عشر، تستهدف هذه الفلسفة استخدام كافة الأدوات بغرض التنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها، وأيضًا إيجاد حلول لها إذا وقعت، حيث أن هذا التوجه يرفض حصر وظيفة التفكير في محض تأويل الأشياء، وإنما استخدام كافة الأدوات والوسائل المُتاحة بغرض حل تلك المشكلات، والتعايش معها، والاستمرار في المضي قدمًا، وجعل حياة الإنسان أكثر تقدمًا وجودة في المجالات المختلفة، فهو لا يغير الوقائع، لكنه يضع منهاجًا للتعامل معها بحيث تصب في صالحنا، تتوافق البراجماتية مع الحديث المنقول عن الرسول "إذا قامت الساعة وكان في يد أحدكم فسيلة فليزرعها"- مع أن البعض لا يحب إشراك النصوص الدينية في الفلسفة والعلم، لكن الأمور تتقابل مع بعضها شئنا أم أبينا، إن العمل بالتالي لا يتم لأننا نتصور واقعًا أفضل، لكن لأننا خُلقنا لنعمل، وهذا هو التفكير الإيجابي.
تجادل البراغماتية بشأن أن العلوم إذا كانت ثابتة، فإن إدراكنا لتلك العلوم يتباين نوعًا ما، تذهب العملانية إلى تقييم النظريات العلمية تبعًأ لما تحققه من فاعلية إيجابية تقود لتطور العقل البشري والتبنؤ بالظواهر الطبيعية بغرض الاستفادة منها ومقاومة مخاطرها، وذلك بدلًا من التركيز على ما تضيفه للتأويل الموضوعي للكون.
فالفكرة الإيجابية ببساطة هي تلك التي تدعو للمضي قدمًا وتحقيق المنفعة العقلية والحسية والعمرانية والحضارية، وتعمل على حل المشكلات والتنبؤ بحدوثها، ولا تهتم بالمهاترات الطويلة حول الحقيقة الموضوعية للأشياء، تلك التي لا تحقق شيء للإنسانية.
ولا تهتم بالمهاترات الطويلة حول الحقيقة الموضوعية للأشياء، تلك التي لا تحقق شيء للإنسانية.
الهدف من الموضوع هو التفكير العميق، إذا حاولت حقا أن تجد تعريفا "للتفكير" الإيجابي فإنك ستصل في نهاية المطاف إلى أنه غير موجود. (اللذة و الألم ليست فلسفة حياة، بل شيء مختلف نوعيا، مثل جمال الموسيقى)
التفكير الإيجابي هو الإفتراض بأن العالم يخلو من كل مسببات الألم، و أي معاناة هي بسبب الفهم الخاطيء لحقيقة العالم هذه، و إختزال كل الحالات المزاجية المؤلمة في قلق غير مبرر من المستقبل.
في الوعي الجمعي العربي البراغماتية مرادفة لثقافة الإستهلاك و الإندفاعية و الهيدونية (تحقيق أقصى قدر من المتعة في المدى القصير) و تخقيق الربح المادي على حساب الآخرين.
بينما يعني المصطلح في الحقيقة الحلول الفعالة التي يمكن الإعتماد عليها و تنجح دائما عندما نحتاجها بالضبط.
التفكير هدفه إيجاد حلول للمشاكل و الإستكشاف و إنتاج الأفكار المفيدة.
بينما الرفاه الذاتي يمكن تحقيقه بتلبية الحاجات النفسية مثل الأمان، الخصوصية، العلاقات العاطفية و الزواج، العائلة، الأصدقاء، عمل نجيده، و أشياء أخرى متعلقة بشخصيتك فإذا كنت منفتحا سترغب بالإنجاز الإبداعي و الفني... إلخ
لكني أختلف مع جزئية أن نرجئ السلبية والإيجابية إلى الأذواق وتمثيلك لها بأنها شبيهة بالموسيقى، لأننا في الموسيقى قد نسمع موسيقى الروك، ونمقط الموسيقى الشرقية (الكلاسيكيات الشرقية)، دعك من أن عشاق أم كلثوم سيرموننا بالسباب، لكننا في النهاية لن نموت من الجوع إذا كرهنا نوعًا من أنواع الموسيقى.
على النقيد، فإن الشبع فكرة إيجابية، والجوع فكرة سلبية، لأن الجوع يقود بنا إلى المزيد من الألم، بينما يقود بنا الشبع إلى مزيد من اللذة، لكن لكل قاعدة استثنائها، فيمكن لشخص أن يستحب لنفسه الأذى تبعًا لأي نزعة نفسية لديه، لكن هذه النوازع التي نصفها بالمرضية تأخذ ضربًا من ضروب الانحراف، وهي لا تمثل محض ذوق كالذي يحدث مع الموسيقى، وإنما هي أقوى من ذلك بأضعاف مضاعفة، حيث أن الإنسان في هذه الحالات يشكك في موضوعية وجوده، ويحقر من شأن نفسه، ثم يتجه نحوها بالأذى، وكل هذه التصرفات هي تصرفات سلبية من وجهة نظر البراغماتية التي تود أن تدفع الناس نحو المزيد من النشاط والتعمير ليس تدمير الذات، ويكون الحل الإيجابي في تلك الحالة هو مداواتهم بالعلاج.
لكني أختلف مع جزئية أن نرجئ السلبية والإيجابية إلى الأذواق وتمثيلك لها بأنها شبيهة بالموسيقى
أنت تظهر لي كشخص إجتماعي و ذكي ولا أعرف لماذا لم تفهم ما قلته.
أنا أفهم التداخل بين الإنفعالات، المشاعر و الأفكار و المنطقة الرمادية بينهما التي تجعل من الصعب الفصل بينهما.
لكن هناك فرق نوعي شاسع بين الأحاسيس كمذاق الحلاوة أو الحرارة، الدوافع كجمال شخص أو الجوع، الإنفعالات كالبهجة، و المشاعر التي تنتجها تأملات معينة من جهة و الأفكار في جهة أخرى.
كلها تصنف كمعلومات عن البيئة، فشعور الخوف هو رسالة بالإبتعاد عن الخطر و عقاب إن لم تفعل ذلك. الدوافع مثل جاذبية شخص ما هي رسالة أيضا أنه من المفيد الإرتباط به، و كلما تقدمت في طريق الإرتباط به تكون الإنفعالات مكآفأة و مثل الرسالة التي تقول: "نعم أنت في الطريق الصحيح و اصل التقدم و ستحصل على المزيد من هذا الإنفعال"
لكن الفرق هو أن فيها لذة أو ألما لا يمكن تفكيكه إلى مجموعة معلومات و أفكار. من يقول أن النشوة هي أن تدرك أن الحياة رائعة هو ببساطة غبي و لا يعرف عما يتكلم عنه. النشوة هي لذة لديها طعم و لا يمكنك حتى وصف جمالها.
وكل هذه التصرفات هي تصرفات سلبية من وجهة نظر البراغماتية التي تود أن تدفع الناس نحو المزيد من النشاط والتعمير ليس تدمير الذات، ويكون الحل الإيجابي في تلك الحالة هو مداواتهم بالعلاج.
البراغماتية لا تعني أن نقوم بعملية Optimization للإستجابة الإنفعالية لتكون مفيدة فقط و لتتناسب مع الرفاه الذاتي في المدى البعيد، فذلك غير ممكن في مثال التوقف عن الإكتئاب في السجن أو عدم التوتر بسبب ألعاب فيديو الرعب الذي ذكرتهما، و لو كان البشر لديهم هذه القدرة لكانت الحياة جنة ببساطة.
التعليقات