كيف تُقيمون حال اللغة العربية حاليا؟

قبل فترة ليست بالقريبة ، قرأت عن " انتصار البطش" الفتاة الغزّية التي تتحدث اللغة العربية الفصحى مُنذ تسع سنوات في منزلها، في الجامعة ، في الأماكن العامة وفي كل مكان تذهب اليه وبرغم الانتقادات التي تلاحقها ، إلا أنها أصرت على التحدث بها في كل مكان وزمان و قطعت عهداً على نفسها ألّا تتحدث العامية بالمطلق.

بالأمس ، احتفل العالم باليوم العالمي للغة العربية ، لا أعرف لماذا نحتفل بهذا اليوم ؟! ونحن نسخر من كل شخص يحاول إحياء اللغة العربية من جديد أمثال (البطش) وغيرها ، لماذا نحتفل؟! ونحن نسعى إلى إغراق العربية في سيل من الألفاظ الأجنبية بدعوة المعاصرة ، لماذا نحتفل ؟ ونحن ندعو الى استعمال الحروف اللاتينية ؟ لماذا نحتفل ؟ ونحن نحرص في تعليم أبنائنا اللغات الاجنبية بجودة عالية ، وإهمال لغة الأم ، لماذا نحتفل ؟ ونحن نتخلى عن استخدام لغتنا الام في لافتاتنا التجارية وغيرها ، كيف نحتفل ؟ ولغتنا تنتهك بالمؤسسات الإعلامية .....

"إذا أردت أن تلغي شعبا ما تبدأ بشلّ ذاكرته التّاريخيّة، ثمّ تشوّه لغته وثقافته وتجعله يتبنّى ثقافة أخرى غير ثقافته، ثمّ تلفّق له تاريخا آخر غير تاريخه وتعلّمه إيّاه... عندئذ ينسى هذا الشّعب من هو ومن كان وتندثر معالم حضارته، وبالتّالي ينساه العالم ويصبح مثل الأمم المنقرضة." - كوردل هل -

كي لا تنطبق هذه المقولة علينا ،، برأيك.. كيف ننهض باللغة العربية ونواجه تحدياتها؟


بات من الصعب تواجد فئة وسطية بين الفئتَين المنتشرتَين في الوطن العربي حالياً، فالفئةُ الأولى عاشقةٌ للغة العربية بتفاصيلها وعلومها وتراثها، ويسعَون لاستخدامها وإحيائها والتذكير بها وبأهميتها بين الفترة والأخرى.

أمّا الفئةُ الثانية فتكرهها ولا تبالي بأهميتها، ويربطون ذكراها بالمناهج والامتحانات الدراسية، وخصوصاً الإعراب.

المشكلة تكمن في صعوبة جذب الفئة الثانية -الكارهة- لتقبّل اللغة العربية على أقلّ تقدير، فليس من الضروري جعلهم يحبّونها ويُقبِلونَ عليها تعلّماً وفهماً، ولكن على الأقل أن يتم تقبّلها والتعامل معها بقليلٍ من الأهمية والتقدير، والاحترام للفئة الأولى العاشقة لها.


أرى أنّه من واجبنا كأشخاص ندّعي انتماءنا للفئة الأولى أن نواظب على أعمالٍ ومبادارتٍ تبقينا ضمن هذه الفئة دون أن يتقلّبَ فينا الزمن لنصبح مهملين أو مهمّشين لها.

من المبادرات الجميلة التي عاصرتها مؤخراً وأسعى لنشرها وتشجيع الناس عليها:

1- التحدّث باللغة العربية الفصحى في مجالاتٍ محددة:

فمثلاً في هذه المنصّة -حسوب- لا بدّ من الإبقاء على الشرط المَنسي لنشر المواضيع، ألا وهو الكتابة والتعليق والنقاش بالفصحى، فمَن يجعل لهذه المنصّة (وما يشابهها) نصيباً من وقته، سيجد توازناً بين الحالتَين، العامّية في مواقع التواصل، والفصحى في هذه المجتمعات الإلكترونية.

2- التحبيب باللغة العربية وإظهار الجانب العملي والروحي منها:

من المبادرات الجميلة التي رأيتها في رمضان الماضي برنامج "اللغة العالية" للأستاذ عارف حجاوي، فكانت حلقاته مليئة بالفائدة والمنفعة مع أسلوب جميلٍ وظريفٍ ومثيرٍ للاهتمام.

مثل هذه المبادرات يجب تكثيفها لجعل الفئة الكارهة أو الفئة غير المبالية تنظر إلى الجانب المشرق من اللغة لتغيير وجهة نظرهم القائمة على استصعاب اللغة والنظر إليها على أنّها لغة غير قادرة على مجاراة العلوم والواقع الحديث.

3- التشجيع على الكتابة اليدوية على الأوراق باللغة العربية الفصحى:

هذه المبادرة رأيتها من قِبَل الأستاذ شريف محمد جابر، فكان في بعض الأحيان ينشر المنشور الذي يريد نشره من خلال نشر صورة للمحتوى مكتوباً بخط يده بدلاً من كتابة المنشور بشكلٍ إلكتروني على الفيسبوك أو غيره.

4- عدم الاستياء من المدقّقين اللغويين :D

محاولة تنقيح النصوص والمنشورات وجعلها صحيحةً قواعدياً ولغوياً أمرٌ يدمنُ عليه بعض الناس (وأنا منهم).

الحرص على ذلك يهدف إلى إبقاء الأمور الأساسية في اللغة العربية على قيد الحياة، فمثلاً رفع الفاعل ونصبُ اسم إنّ وجرّ الاسم المجرور، من الأمور البدَهية التي لا يمكن التغافل عنها أو تجاوزها، فهي من الأساسيات التي تقوم اللغة عليها (رأي شخصي).

5- مبادرة "كلٌّ حسب تخصصه":

فالمصمّم مثلاً يستطيع تصميم صور أو إنشاء فيديوهات قصيرة لتحبيب الناس -والأطفال تحديداً- باللغة العربية وتبيان أهميتها، والمبرمج مثلاً يستطيع إنشاء تطبيقات أو مواقع لدعم اللغة العربية ونشر محتواها وإثرائه، ومنشئ المحتوى والكاتب يستطيع ذلك من خلال الاهتمام باللغة من خلال ما يقدّمه من محتوى، وهلمّ جرّا.

6- تنمية الجانب الديني:

لا يمكن إغفال الجانب الديني عند الحديث عن اللغة العربية، فالقرآن الكريم والنصوص النبوية كنوزٌ عظيمة للتعامل العملي والتطبيقي للغة.

تشجيع الناس على فهم القرآن وتدبّره، وربط ذلك مع تعلّم اللغة وتبيان وجوه الدقة والحِكمة والجمال في النصوص القرآنية، يثير -لا شعورياً- محبّةً للغة التي نزلت بها هذه النصوص (أيضاً رأي شخصي).