المخدوع بالعشوائية ونظرية البجعة السوداء

من المؤكد أعزاءنا القرّاء أنكم سمعتم في وقت من الأوقات عبارة “عندما تطير الفيلة!” والتي تستخدم للإشارة إلى أن شيئاً ما من المستحيل أن يحدث، كما أنه من المستحيل أن تطير الفيلة. لكن ماذا لو طارت الفيلة؟!

حادثة البجعة السوداء

حتى عام 1697 كانت الناس في أوروبا تتداول عبارة “عندما ترى بجعة سوداء” بنفس الطريقة التي تستخدم فيها اليوم عبارة “عندما تطير الفيلة” إذ لم يكن العالم الغربي قد عرف بوجود بجع أسود حتى ذلك التاريخ! انقلب استخدام هذه العبارة لتصبح دالة على إمكانية حدوث ما كان يعتقد بأنه مستحيلاً، فعدم المعرفة بوجود البجع الأسود لم يكن يعني عدم وجوده في مناطق أخرى في العالم.

المخدوع بالعشوائية

أبتكر أستاذ العلوم المالية نسيم نيكولاس طالب في كتابه “مخدوع بالعشوائية” (صدر عام 2001) مصطلح “البجعة السوداء”، مقتبساً الاسم من حادثة البجعة السوداء الشهيرة، وذلك لدلالة على الحوادث التي تتصف بالسمات الآتية:

غير متوقعة.

لها تداعيات على نطاق واسع.

سيؤكد الناس بأنها كانت قابلة للتفسير ويمكن التنبؤ بها.

لا يمكن التنبؤ بها.

تكمن المشكلة في أحداث البجعة السوداء، لاسيما السلبية منها، بأنه لا يمكن التنبؤ بها، فمثلاً من كان منا يتخيل حدوث وباء كوفيد-19؟ باستثناء أفلام الخيال العلمي حول نهاية العالم، لم يسبق احد وان اطلق صفارة الإنذار للتحذير من هكذا وباء وفي عام 2020 تحديداً!

لهذا السبب ينصح “د. طالب” بعدم الانشغال بمحاولة التنبؤ بما لا يمكن التنبؤ به، وبدلاً من ذلك يقترح القيام بالاستعداد لتأثيرات البجعات السوداء السلبية التي تحدث، كما ينصح بأن نضع أنفسنا على استعداد لاستغلال الإيجابيات، فيمكن لأحداث البجعة السوداء أن تكون إيجابية أيضاً.

نشرة هذه المقالة أول مرة على موقع "نشرة يومي" البريدية


في رأيي إن التنبؤ في حد ذاته من مراحل الإستعداد للأمور السلبية التي يُمكن أن تحدث لنا دون أن نشعر، فعلى سبيل المثال لو كانت هناك دراسات او تجارب لتأثير تناول الخفافيش على البشر لكان هناك توقع بحدوث أمر مثل كورونا، وحينها كان سيتم التوقف عن تناولها أو سيكون هناك أبحاث ودراسات عن العلاجات الممكنة لهذا الفيروس وكيف يُمكنك التعامل معه.

بشكل عام أصبحت الحياة تتطلب التوقع والإحتمال أكثر من التجاهل، على سبيل المثال شخص مُصاب بأعراض مشابهة للكورونا، فمن الأفضل أن يتوقع أنها الفيروس ويتعامل معها على هذا الأساس، بدلًا من أن يتعامل معه بأنه مجرد مرض بسيط ويُفاجئ بمضاعفات والإضرار بغيره.

اعتقد أنه حتى الآن لم يثبت علمياً وجود أرتباط بين تناول الخفافيش وتطور فايروس كوفيد-19، لكن بلا شك أن الدراسات المستقبلية هي جزء من الاستعداد للمستقبل بما قد يحمله من تطورات إيجابية أو سلبية، وهو بالفعل ما تعمل عليه الآلف من مراكز الأبحاث في العالم وعلى مستوى العلوم الاجتماعية والتطبيقية.

لكن حتى الدراسات المستقبلية التي منها ما تناول تداعيات فيروس ساريس والدروس المستفادة منه وكيف يمكن للبشرية أن تكون مستعدة لحالات مشابها، لا يمكن لها أن تطابق ما سيحدث في الواقع 100% لا من حيث التوقيت ولا من حيث التداعيات ولا حتى من حيث إمكانية التحضر لجميع الاحتمالات الممكنة، ولنأخذ مثال على ذلك وهو احتمال أن يصطدم بالأرض كوكيب بقطر 7 كلم (وهو كفيل بتدمير منطقة بحجم استراليا!) هو 1 إلى 10 مليون سنة! هل يمكن في هذه الحالة التنبؤ بما يمكن أن يحدث ذلك؟ وهل إذا كان ممكن هل سيكون من المعرف أي منطقة سيضرب بالضبط؟ وما هي التداعيات الفعلية لمثل هكذا حدث؟

في الحقيقة الاحتمالات أكبر من قدرة الانسان على احصاءها والتنبؤ بمآلاتها، لهذا السبب وقع حدث ما قد لا يعني بالضرورة بأنه من الممكن التنبؤ به.

شكراً على مساهمتك القمية.