التعافي بتغيير المكان أكذوبة.. الماضي لا يعترف بالجغرافيا.

” أذكر من أيام المدرسة بيت قديما من الشعر:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ٠٠٠ ولكنني عن علم ما في غد عمي
تمنيت لو كان الأمر هو العكس. لو أجهل ما حدث بالأمس وأعلم ما في الغد، بل أوافق حتى على أن أظل أعمى عما يحمله الغد بشرط أن يختفي الأمس أيضا. أوافق على ما هو أقل. أن يشرق الصبح فأعيش يومي وحده وقد غابت من ذهني كل الذكريات. أي ترتيب مريح للحياة أن نعيش اليوم دون إزعاج الأمس والغد معا! لكن في هذه الصحراء لا شيء في ذهني غير الأمس، وأنا لا أحبه.“

هذا ما قاله بطل رواية "واحة الغروب" في موقف يفترض أن يسعده.. سفر من أجل ترقية قويّة.

توقفت كثيرا عند هذا الموقف، وأنا أتذكر تلك النصيحة التي تملأ وسائل التواصل: "لا يمكنك التعافي في نفس البيئة التي تأذيت فيها.. غادر!".

أعتقد أن هذه العبارة رغم رواجها وجاذبيتها، خاطئة ومضلّلة. نحن نربط الشفاء بتغيير الجدران والوجوه، متناسين أن الماضي العالق في الذاكرة، سيطاردك حتى لو هربت إلى أبعد صحراء. مدى ثقل التجربة التي مررتَ بها هو ما يحدّد مدى توغّل الألم في ذاكرتك، لا إحداثيات موقعك الجغرافي.

الهروب لا يصنع التعافي، لأنه لا البحرُ ولا الصحراءُ يمتلكانِ القدرة على دفنِ الأحزان، بل في كثير من الأحيان، هدوء هذه الأماكن هو ما يُحيي الذكريات ويجعل صوتها أعلى وأكثر قسوة.

الحل الحقيقي للشفاء هو المواجهة. أن تواجه مشاعرك وأفكارك، أن تعيش حزنك بكل تفاصيله دون تخدير أو محاولة للفرار. واجه، تحمّل، لتصبح أقوى.

الحقيقة أنك لن تنسى، فالذاكرة لا تُمحى بقرار.. لكنك بالمواجهة، ستمتلك القوة لفتح أبواب سعادة جديدة رغم بقاء تلك الذكرى. ستمتلك الصلابة التي تجعل من هذا الماضي مجرد ذكرى صامتة في رفوف العقل، لا شبحا يخرج لك في كل لحظة فرح لينغّص عليك حياتك.


التعليق السابق
العبارة ليست خاطئة ولا مضللة ولكن بعض الناس يظن أنه يحتاج لزيارة شاطئ أو مكان به خضرة لعدة أيام أو أسابيع مع وجود نفس مسببات المرض وعودته بعد فترة لنفس المكان القديم مرة أخرى .

العبارة تفترض أنه لا يمكن التعافي بدون تغيير البيئة (لا يمكنك التعافي في نفس البيئة..) بينما من طرق علاج الصدمات الفعّالة هي المواجهة بالتّعرض، البقاء في نفس البيئة لا يعني بالضرورة استحالة التعافي لذلك هي خاطئة.

nidotherapy والتي تتضمن تغيير كامل دائم أو طويل الأمد للبيئة إلى بيئة أخرى مناسبة لحالة كل مريض بحسب ما يرتاح هو إليه

هذا علاج تكميلي مساعد وليس بديلا كافيا للتعافي. هو يقلّل المحفزات الخارجية وليس الاستجابة العصبية المشوّهة.. بالتالي أي محفز مرتبط حسيا بالتجربة القديمة حتى لو كان صوت الريح أو الهدوء يظهر في البيئة الجديدة فهو يولّد نفس الاستجابة

والنقطة التي انتقدتها بخصوص الذكريات خاطئة لأن المشكلة ليست في المكان وإنما في اجترار الذكريات الذي فعله الشخص

لم أنتقد البيئة الجديدة بل الشخص الذي يجتر ذكرياته معه إليها ويظن أنها ستكفي ليتعافى مقتنعا بتلك المقولة، اذا نحن نتفق.. انا لا أرى المشكلة في البيئة نفسها.

لا يمكنك لوم شخص نصحك بطريق مختصر لا يخرج فيه اللصوص عادة إذا تمت سرقتك فيه ، وإنما يمكنك لوم من نصحك بطريق يمر عبر وكر اللصوص مباشرة . والأماكن الخضراء وإن كانت محدودة الفائدة فهي ليست أوكاراً للصوص .

ألوم من ينصح بالطريق المختصر فقط إذا قال: "لا يمكنك تفادي السرقة إلا بهذا الطريق". (وألوم نفسي قبله لأني أحمل اللص في سيارتي واعتقدت أن الطريق الآمن يكفي.)

لكن لو عرض الطريق المختصر أو الأماكن الخضراء أو تغيير البيئة عموما كحل مساعد لا يغني وليس بديلا عن أخذ الاحتياطات اللازمة (مثل المواجهة أو العلاج الطبي المعتمد في حال كانت الصدمة شديدة) لن ألومه بل سأشكره.

ليست كل المشاعر والأفكار المؤلمة تصلح مواجهتها أو يستطيع الكل مواجهتها ، وعند صياغة أسلوب علاج تحتاج للتعامل مع كل شخص بحسب طاقته .

بالضبط، ولكنه يظل محتاجا لمتابعة طبية علاجية كما تفضّلت يعني لا يكتفي بتغيير البيئة..

شكرا على إضافتك الطيبة

العبارة تفترض أنه لا يمكن التعافي بدون تغيير البيئة (لا يمكنك التعافي في نفس البيئة..) بينما من طرق علاج الصدمات الفعّالة هي المواجهة بالتّعرض، البقاء في نفس البيئة لا يعني بالضرورة استحالة التعافي لذلك هي خاطئة.

قصر العلاج على هذا أو ذاك فقط خطأ فلكل شخص ما يناسبه ، يمكنك أن تتحمل التعرض بينما غيرك قد ينهار وتسوء حالته . البعض لا يمكنه التعافي في نفس البيئة بينما البعض لا يتعافى إلا في نفس البيئة .

هذا علاج تكميلي مساعد وليس بديلا كافيا للتعافي. هو يقلّل المحفزات الخارجية وليس الاستجابة العصبية المشوّهة.. بالتالي أي محفز مرتبط حسيا بالتجربة القديمة حتى لو كان صوت الريح أو الهدوء يظهر في البيئة الجديدة فهو يولّد نفس الاستجابة

في علاج الشذوذ يتم استخدام بعض الأشياء التي تسبب الألم مثل حقنة قيء أو غير ذلك تزامناً مع استدعاء الخواطر الجنسية الشاذة لأن العقل يربط بين الاثنين مع كونك تفعل ذلك عمداً . ومادامت درجات السلم تصلح للصعود فهي صالحة للنزول أيضاً ، بمعنى أنه يمكن إعادة برمجة استجابات عصبية جديدة فبدلاً من أن يثير المحفز الخارجي استجابة مؤلمة فيمكن إعادة برمجته إلى استجابة محايدة وآمنة (الانطفاء) .

النيدوثيرابي علاج حديث نسبياً ولم ينتشر بشكل واسع كعلاج أساسي ، ولكن في ظني ربما يحمل في طياته تغييراً للارتباطات القديمة (الانطفاء) إن صاحبه متابعة متخصصة من معالج سلوكي متمرس وتصميم خاص للبيئة بما يضمن عدم التعرض للمثيرات القديمة أو تعرض موجه بطريقة غير مكثفة ولكنها في نفس الوقت يتضافر فيها عدة عوامل تجعل التحسن أكبر من العلاج بالتعرض فقط .

هذا بالطبع هو نظرتي لما يجب أن يكون عليه النيدوثيرابي الفعال ، ولا أعرف هل الموجود حالياً موافق لهذا بالضبط أم أكثر قصوراً .