إن أفقر الفقراء ليس هو الذي لا يجد غذاءً بطنه، ولكنه الذي لا يستطيع أن يجد غذاء شعوره، فلا تحسبن أن مع جنون الضمير وجفوته ومرضه سعادةً وراحة؛ لأن لذة المال لا تتجاوز الحواس الظاهرة، فهو يبتاع لها كل شيء مما تشتهي، ولكنه لا يستطيع أن ينيل القلب شيئًا إلا إذا جاءه بالخير والفضيلة. والغني الذي يمنع الفقراء ماله قد يزيد فيه ولو حكمًا بمقدار ما يمنع، بضعة دراهم أو بضعة دنانير، ولكنه يزيد ضميره جفاءً بالقسوة والغلظة ونسيان الفضيلة، ولا يزال على ذلك حتى يمر به يوم يفقد فيه ضميره كل شعور بالخير، فيفقد معه كلَّ شعور بلذة النفس التي هي أقرب المعاني إلى معنى السعادة.