يقول محمد عبدالعزيز الهجين مؤلف كتاب الأنس بالراحلين: "قضيت أمسياتٍ مليئةً بالحكايات والفوائد والفرائد والغرائب مع السير الذاتية، فأحببت أن أسجلها. ثم أحببت أن أدعوك أيها القارئ الكريم لتشاركني هذه الأمسيات، لعلنا نحظى بشيءٍ من الأُنس بالراحلين". فما سر حبنا لقراءة السير الذاتية؟ ولماذا تُشعرنا بالأنس؟

​رغم أن السير الذاتية ليست مصدرًا موثوقًا لتحصيل المعرفة؛ لأنها غالبًا ما تكون منحازةً حسب توجه صاحبها، وغالبًا ما يكون الإنسان متعاطفًا مع نفسه ومبررًا لقراراته، إلا أنها قراءة حيوية وجذابة للكثير من القراء. السير الذاتية هي نافذةٌ على النفوس وما يختلجها من صراعات، وعلى العقول وما يطاردها من أفكار. إنه سردٌ تتجاذب فيه الأفكار وتتنافر، وتتحرك فيه الأحداث بصورة تعكس أوجه الحياة المختلفة.

​يشعر القارئ بعلاقة صداقة مع صاحب السيرة مهما كان موقفه منه في الواقع، وكأنه مضى معه الرحلة وواصل معه السير. السير الذاتية تعلمنا الرحمة بقدر ما تعلمنا إطلاق الأحكام، وتُرينا الحدث من زاوية مختلفة، في سردية شخصية تشتبك فيها النفس ورغباتها مع الحياة وتقلباتها. إنها امتحانٌ حقيقيٌّ مرّ به شخصٌ ما في زمانٍ ما، وها نحن نطالعه مبسوطًا أمامنا، كصورة توثّق لحظةً ما من عمر الزمان، وتقول إن أحدهم كان هنا يومًا.

​لسنا بصدد تفسير وتقسيم السير الذاتية حسب توجه أصحابها ومنشأهم وأفكارهم، ولكننا نطرق اليوم بابًا في نفوس القراء، ونواجههم بتساؤلٍ هام: لماذا نحب السير الذاتية؟