11

ماذا لو تحول إنسان لحشرة، كيف يعامله أقرب الناس له؟! ..... رواية المسخ لفرانز كافكا

استيقظ جريجور سامسا من نومه صباحًا في أحد الأيام ليجد نفسه قد تحول لحشرة! وبرغم ما أصابه من خطب جلل كل ما فكر فيه هو العمل، فهو العائل الوحيد لأسرته ويعمل لأجل دفع ديون والده، بالطبع صُدمت عائلته عندما اكتشفوا الأمر، وظل هو حبيسًا بغرفته لشهور وأخته تولت أمر العناية به من تنظيف غرفته وتقديم الطعام، ثم اضطرت العائلة للعمل فعائلها الوحيد قد تحول لحشرة! وفجأة استطاع الأب الذي جلس لسنوات دون عمل وازداد شحمه في مقعده العمل ساعيًا، وعملت الآم بالخياطة، بينما عملت الابنة بائعة بأحد المتاجر، ومع انشغال الأخت أصبحت مهمة العناية بأخيها الحشرة ثقيلة على قلبها وأهملت في نظافة غرفته وإطعامه، وفي النهاية فاضوا به عندما زحف خارج الغرفة وقرروا التخلص منه، فزحف عائدًا لغرفته ومات قبل أن يشرق الصباح.

دعوني أخبركم أن نهاية هذه القصة أبكتني كثيرًا، ربما لحزني على نهاية بطلها وكيف أنه وهب حياته لإعالة أسرته وضمان الراحة لهم بعمل متعب لا يحبه، وبرغم ذلك عندما أصابه ما أصابه بدأ الاهتمام به يتناقص شيئًا فشيئًا إلى أن تلاشي بل أُعتبر عبئًا لابد من التخلص منه، حتى أنه حين مات من اكتشفت موته كانت الخادمة وبعد موته اكتشفوا كم أصبح هزيلًا من عدم الأكل، ومن قام بالتخلص من جثته كانت الخادمة أيضًا.

وربما بكيت لأنها أثارت بنفسي تساؤلات كثيرة موجعة جدًا عن الإنسان وكم قد تكون مسؤوليته ثقيلة ولو على أحب الناس إليه الذين فعل لهم ومن أجلهم كل شيء يقدر عليه، لكن بمجرد أن "يتحول" قد يصبح عبئًا يرتاحون بالتخلص منه، وقد لا يكون هذا التحول بأن يصير حشرة كجريجور، لكن ربما يكون هذا التحول على شكل مرض جسدي أو نفسي أو عقلي، أو ربما أي عارض آخر كالوقوع في غيبوبة مثلًا!

فلماذا قد يتغير أقرب الناس إلى هذه الدرجة؟!


قراءة هذا المقال أعادتني إلى لحظات كثيرة رأيتُ فيها من كانوا أعمدة لأسرهم يسقطون فجأة بسبب مرض أو حادث أو حتى تعب نفسي... فوجدوا أنفسهم وحيدين، منسيين، وربما "عبئًا" كما وُصف جريجور سامسا بعد تحوّله.

ما كتبتهِ هنا ليس مجرد تلخيص لرواية "المسخ"، بل هو مرآة لواقع موجع نعيشه أو نخاف من أن نعيشه. تساؤلك في النهاية كان أقسى من التحوّل ذاته: "لماذا قد يتغير أقرب الناس إلى هذه الدرجة؟"

ربما لأن بعض "الروابط" الأسرية والاجتماعية مبنية على الحاجة المتبادلة، لا الحب غير المشروط. حين تتوقف قدرتك على العطاء، يتوقف بعضهم عن رؤيتك.

لكن يبقى الأمل في القلوب الصافية، القلوب التي ترى في "الحشرة" روحًا أُنهكت، لا عبئًا يُلقى.

أرى أننا كأشخاص لنا دور في ذلك، فلماذا نقبل أن نكون الطرف المضحي والذي يقدم التضحيات بلا حدود، لما نعطي فقط دون أن يكون هناك من يبادلنا نفس الشعور، فالبشر بطبيعتهم إن أعطيت لهم باستمرار وجدوا أن هذا العطاء أصبح فرض عليك وإن تراجعت فيه اتهموك بالتقصير، لذا مهم جدا أن أي شخص يزن تضحياته وتنازلاته التي يقدمها لمن حوله، ليتأكد أنها تسير في الاتجاه الصحيح ولمن يقدرها

أتفق معك.

والعطاء أيضًا يجب أن يكون محدودًا بقدرة الشخص وإمكانياته "ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها" ، ومن أراد التضحية فهذا قراره الخاص إذن ولا يجب أن يلوم أحد عليه أو أن يطلب مقابلًا لتضحية لم يطلبها منه أحد.

بالرغم من رمزية القصة ألا أنها سلطت الضوء على أكثر من قضية هامة لامست فينا جزء عميق ومخاوف دفينة، ما يوجع القلب هو الشعور بالعجز بعد أن يكون الفرد قد قدم كل ما أمكنه وقدر عليه ليُفاجأ في أقسى لحظات ضعفه وعجزه بمن من المفترض أن يقدموا له الحب يتخلون عنه.

فإن كان هذا ما يفعله المقربون فمن يهتم ويُقدر ويُحب؟! بل من جدير بالعطاء من البداية؟

لكن يبقى الأمل في القلوب الصافية، القلوب التي ترى في "الحشرة" روحًا أُنهكت، لا عبئًا يُلقى.

أحسنت التعبير، هم الأمل في الحقيقة.