من هو المثقف حقًّا؟
قلّ أن اختلف الناس في لفظ كما اختلفوا في لفظ «المثقف»، مع أنهم يرددونه كل يوم. فما أكثر من يُوصَف بالثقافة، وما أقل من يُسأل عن معناها. حتى ليخيل إلى المرء أن الكلمة كلما كثرت على الألسنة قلّ التدقيق في حقيقتها. فإذا سألنا: من هو المثقف؟ وجدنا أننا أمام لفظ شائع، ولكن معناه أبعد غورًا من شيوعه.
وإذا رجعنا إلى أصل الكلمة في لغتنا وجدنا أن الثقافة تدل على الحذق والفطنة وحسن الإدراك، كما تدل على التقويم والتهذيب. وكان العرب يقولون: «ثَقَّفَ الرمح» إذا قوّمه وسوّى اعوجاجه حتى يستقيم ويبلغ الغاية التي أُعد لها. وليس هذا المعنى عارضًا في الكلمة، بل هو لبّها وجوهرها؛ فالثقافة ليست جمعًا للمعرفة، وإنما إحسانٌ للانتفاع بها. وليس العقل مستودعًا للمعرفة، وإلا لكانت المكتبات أعقل من أصحابها. وإنما قيمة المعرفة فيما تحدثه من أثر في الفكر والحياة.
ومن هنا يبدأ الفرق بين واسع الاطلاع وصاحب الثقافة الحقة. فواسع الاطلاع قد يجمع من المعارف ما يعجز عنه غيره، وقد يحسن الحديث في شؤون شتى، ولكنه يظل جامعًا للمعرفة لا صانعًا للأثر. أما صاحب الرسالة الفكرية فلا يتميز بكمية ما يعرف، بل بطريقة استعماله لما يعرف. فالمعلومات مادة الثقافة، لكنها ليست الثقافة؛ كما أن الحجارة مادة البناء، لكنها ليست البناء. وقد يزدحم الذهن بالمعارف ويبقى صاحبه عاجزًا عن فهم عصره، كما قد يملك المرء من المعرفة قدرًا أقل، ثم يجعل منها قوة تفسر الواقع وتؤثر فيه. فهو لا يكتفي بجمع المعارف، بل يصنع منها معنى يربط بين الوقائع المتفرقة ويكشف ما بينها من صلات خفية.
ولهذا فإن السؤال الذي يحدد قيمة الإنسان الفكرية ليس: ماذا تعرف؟ بل: ماذا فعلت بما تعرف؟
وإذا كان العالم يضيف إلى المعرفة الإنسانية حقيقة جديدة، فإن صاحب الفكر المؤثر يؤدي وظيفة أخرى لا تقل ضرورة. فالأمم لا تحتاج إلى من ينتج المعرفة فحسب، بل تحتاج إلى من يوقظ بصيرتها، ويكشف لها مواضع الخلل فيها، وينبهها إلى الأخطار التي تتسلل إليها وهي غافلة عنها. فالعلم يزيد ثروة العقل، أما صاحب الدور التنويري فيعلم المجتمع كيف يحسن إنفاق هذه الثروة، ويحولها من معرفة ساكنة إلى قوة حية تعمل في الواقع.
ولهذا لا يكون صاحب الوعي الحق متفرجًا على عصره، ولا نزيلًا دائمًا في أبراج الكتب، بل يكون حاضرًا في قضايا مجتمعه، معنيًّا بما يصيب أمته من تقدم أو تأخر، ومن عدل أو ظلم، ومن قوة أو ضعف. وقد لا يملك سلطة الحاكم، ولا نفوذ الثري، ولا أدوات الإعلامي، لكنه يملك ما هو أبقى أثرًا من ذلك كله: الفكرة التي تغير طريقة نظر الناس إلى أنفسهم وإلى عالمهم. وهو لا يكتفي بترديد ما استقر في الأذهان من مسلمات، بل يحول المسلَّم به إلى موضوع للفحص والمراجعة، ويوقظ في الناس القدرة على مساءلة ما اعتادوه من أفكار وأحكام.
ولا يقتصر هذا الفحص على ما يحيط به من أوضاع معاصرة، بل يمتد إلى ما ورثه من أفكار ومفاهيم. فليس دوره أن يخاصم تراثه أو يقدسه، وإنما أن يحاوره ويستنطقه. إنه يسأل التراث أسئلة عصره، لا ليكرر أجوبة الأمس، بل ليفهم بها أسئلة اليوم، ويميز بين ما يبقى مصدرًا للحياة وما أصبح عبئًا عليها.
ولهذا خلد التاريخ رجالًا لم تكن قوتهم فيما امتلكوا من سلطان، بل فيما حملوا من أفكار. فالكواكبي لم يخلده كتاب كتبه، وإنما خلدته عقول أيقظها إلى خطر الاستبداد. وغاندي لم يهزم إمبراطورية بالسلاح، بل بفكرة آمن بها حتى آمن بها الملايين من بعده. ومارتن لوثر كينغ لم يملك من أدوات القوة ما يملكه خصومه، لكنه امتلك قوة أخطر من ذلك كله: القدرة على تحويل مطلب أخلاقي إلى قضية تشغل ضمير أمة كاملة. وهكذا لم يكن أثر هؤلاء فيما عرفوا من أفكار، بل فيما جعلوا من تلك الأفكار قوة عاملة في المجتمع والتاريخ. وليس الأثر دائمًا ما يُقاس بما يظهر منه للناس؛ فقد يعمل صاحب الفكر في دائرة ضيقة، ثم تحمل الأجيال من بعده ما زرعه، فيتجاوز أثره زمانه ومكانه.
غير أن المجتمعات لا تفتقر دائمًا إلى العقول القادرة على أداء هذا الدور، وإنما قد تفتقر إلى البيئة التي تسمح لها بأدائه. ولعل الاستبداد السياسي من أخطر العوامل التي تعوق نشوء الصوت الفكري المؤثر؛ لأنه لا يضيق بشيء كما يضيق بالعقل الحر. وحين تصبح الكلمة سببًا للعقاب، والرأي المستقل مدعاة للخوف، لا تختفي العقول، ولكنها تنكمش، ولا تموت الأفكار، ولكنها تُدفع إلى الظل. فالاستبداد لا يمحو العقول، بل يدفعها إلى الظل. وهو لا يمنع ظهور أصحاب الرأي المستقل دائمًا، ولكنه يجعل حضورهم استثناءً مكلفًا بدل أن يكون ظاهرة طبيعية. فالاستبداد لا يخشى السلاح بقدر ما يخشى الفكرة؛ لأن السلاح يواجه السلطة، أما الفكرة فتغير العقول التي تقوم عليها السلطة.
وليس الخوف وحده ما يهدد استقلال صاحب الفكر، فالإغراء قد يفعل أحيانًا ما لا يفعله التهديد. فكما قد تُشترى الذمم بالمال أو المنصب، قد تُشترى العقول بالرغبة في الشهرة أو القرب من مراكز النفوذ. بل قد يخضع المرء لسلطة أخرى لا تقل خطرًا، هي سلطة القطيع الفكري والآراء الرائجة. ولذلك لا يكتمل استقلاله بالتحرر من ضغط السلطة وحده، بل يحتاج كذلك إلى التحرر من ضغط الجماعة وإغراء الانسياق وراء ما يلقى القبول والشيوع. فالحرية الفكرية ليست مجرد القدرة على معارضة السائد، بل القدرة على مراجعة السائد أيًّا كان مصدره.
وتبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا في عصرنا الحاضر. فليس الخطر اليوم أن تعز المعلومات، بل أن يختلط العلم بالضجيج، والمعرفة بالشهرة، والرأي بالبصيرة. ولم يعد بعض الناس يقيسون قيمة الفكرة بما فيها من عمق أو صدق، بل بعدد من يرددها أو يتابع صاحبها. وهكذا أصبح من اليسير أن يشتهر المرء قبل أن يفكر، وأن يُستمع إليه قبل أن يكون لديه ما يستحق أن يُقال.
ومن هنا كانت حاجة المجتمعات إلى هذا النوع من الرجال حاجة لا تقل عن حاجتها إلى العالم أو السياسي أو رجل الاقتصاد. فهؤلاء جميعًا ينهضون بأجزاء من حياة الأمة، أما صاحب الرسالة الفكرية فينهض بوظيفته الخاصة: وظيفة الوعي. إنه حارس للوعي النقدي، يوقظ العقول من سباتها، ويمنع المجتمع من الاستسلام للأفكار الجاهزة والأحكام الموروثة، ويعين الناس على النظر في واقعهم بعين الفحص لا بعين التسليم. ولذلك لا تتمثل مهمته في تقديم أجوبة جاهزة لكل سؤال، بقدر ما تتمثل في طرح الأسئلة التي تكشف مواضع الخلل وتدفع إلى إعادة النظر فيما اعتاده الناس من أفكار وأحكام.
فالأمم لا تضل طريقها لأنها تفتقر إلى العقول، بل لأنها تفتقر إلى القدرة على الإفادة من عقولها. وقد تستطيع أمة أن تعيش زمنًا وهي فقيرة في المال أو ضعيفة في القوة، ولكنها لا تلبث أن تتعثر إذا فقدت من يوقظ بصيرتها، ويكشف لها مواضع الخلل فيها، ويعينها على رؤية نفسها كما هي لا كما تتوهم أنها تكون.
فالمثقف الحقيقي هو الإنسان الذي يحول المعرفة إلى وعي عام، والوعي إلى قوة اجتماعية قادرة على فهم الواقع ونقده وتغييره. ولا يزدهر هذا الدور إلا في بيئة تسمح بحرية الفكر والتعبير، لأن المجتمعات لا تفتقر غالبًا إلى العقول، وإنما قد تفتقر إلى القدرة على الإفادة منها. وإذا كانت يقظة العقل هي أداته الأولى، فإن شجاعة القلب واستقلال الإرادة هما الضمانة التي تحفظ لهذه الأداة صدقها وفاعليتها. فإذا كان العالم يزيد ثروة العقل، فإن المثقف هو الذي يعلم الأمة كيف تنفق هذه الثروة.
التعليقات