الإنسان ليس روبوتا جامدا يتحرك بالخوارزميات و الأوامر بل إنه كائن حي له مشاعر و أحاسيس و باحث بالفطرة عن المعنى و الحكمة و الغاية من وجوده و من تصرفاته .. لذلك من الطبيعي أن يحذر و يستغرب و يرفض أي إملاءات أو أوامر أو طلبات غير مفسرة و غير مقنعة بالنسبة له و غير واضحة المعالم و التداعيات و الأهداف .. بل إنه لمن الوعي و الذكاء أن يطلب المرء أسبابا و حججا مقنعة تعطيه الدافع و الحافز النفسي للقيام بأمر معين .. و بالتالي في حياتنا علينا أن لا نفسر كل تخاذل و كل تمرد و كل رفض لطلباتنا على أنه عصيان و تقصير من طرف الشخص الآخر .. بل قد يكون عاجزا و قاصرا عن فهم نوايانا و أسبابنا و غير مدرك بعد للجدوى و المعنى و الحكمة مما يراد منه .. فالمرء متصف بذاتيته و مستوى وعيه و بكثير من الشوائب و المنغصات و الضعف و قلة النضج .. لذلك لا تتوقع شيئا من أي شخص .. و كن متأكدا بأن الإرتياب و القصور صفات بشرية موجودة و بأن الإقناع و التوعية و التنوير ليس عملية سهلة تتم بكبسة زر أو أمر معين .. فصناعة الأحكام و إتخاذ القرارات ليست بتلك السهولة التي تتصورها الأذهان .. لذلك عود نفسك على أن تفتش عن الدوافع و الحجج لأنك تحتاج إلى إقناع الناس لكي يشتروا منك و لكي ينفذوا طلباتك و لكي و لكي .. ليس لأنك طلبت معناه أنه ينبغي التنفيذ فهذا الشيء ينفع مع الروبوتات فقط ..
تبرير الأوامر و الطلبات بحجج مقنعة واجب
أولاً : المسلم مأمور بحسن الظن بمن ظاهره الصلاح (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) بل ويحرم عليه إساءة الظن به مالم تكن هناك قرينة . والشخص الذي تكون أمه تقية نقية طوال حياتها ثم يشك بها لإعطائها لشخص غريب مبلغ من المال يظهر لي أنه من إساءة الظن لعدم وجود قرينة لاحتمال أنه محتاج أو أنه دين مدفوع أو غير ذلك بدليل أنها طلبت منك إعطائه المال دون أن تستحي ، والأمور المريبة غالباً تحدث في الخفاء وليس أمام أعين الناس كلهم .
ثانياً : موضوع المحاسبة على أمور غير أخلاقية أو مؤذية التي ذكرتها واضحة التعبير . هناك جنود يطيعون رؤساءهم في قتل الأبرياء واغتصاب النساء وغيرها ، هل تساوي بين هذا وبين حراسة مخزن للجيش لا تعرف محتوياته أو التواجد في موقع معين للدفاع عنه أو غير ذلك !
ثالثاً : المبالغة موجودة في كل شيء حتى في أمور العبادة نفسها ، وكثرة الأسئلة والتفتيش مذمومة حتى في الشرع ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ذروني ما ترَكتُكم فإنَّما هلَك الَّذينَ من قبلِكم بِكثرةِ مسائلِهم واختلافِهم على أنبيائِهم ، ما نَهيتُكم عنهُ فاجتَنبوهُ وما أمرتُكم بِه فافعلوا منهُ ما استطعتُم) ، بل وأزيدك من الشعر بيتاً : عكس ما تقوله هو الصحيح ، فالله يشدد على من يبالغ في السؤال والتفتيش ، ألم تر إلى قول الله تعالى في سورة البقرة ( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً) ثم سؤال بني إسرائيل عنها ( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ) ثم (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا) وغيرها ، قال ابن عباس (لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد عَلَيْهِمْ) .
رابعاً : بخصوص مثال العامل والمصنع فالعامل يعلم أصل العمل بالتأكيد ولكن هناك قرارات يتخذها رئيس العمل بخصوص الإنتاجية بين الحين والأخرى قد لا تكون مفهومة لبعض العمال وهذا ما أقصده ، ولن يكون الأمر بالتأكيد أشبه باختطاف طفل أو سرقة شخص وإنما أمور متعلقة بالعمل نفسه . على سبيل المثال هناك صاحب صيدلية كان يريد من الذي يتولى أمر الخزنة أن يجلس في مكان ليس به تهوية جيدة في جانب الصيدلية وله مبررات غير مقنعة للعامل الذي انزعج وكان يغير مكانه باستمرار لمكان به تهوية ، وفي النهاية تسبب لنفسه بالطرد بسبب سلوكه المستمر .
خامساً : لا أقصد بكلامي أن تطيع طاعة عمياء في كل شيء ، ولكن ليس معنى أن الطعام عديم الملح أن أفرغ كل علبة الملح فيه لأن هذا يجعله غير صالح للأكل بالكلية . أتمنى أن يكون مثالي واضحاً .
التعليقات