خيوط خفية: كيف تحول البيئة والذكريات ميولنا إلى نسيج معقد؟

​تنويه: هذا المقال يمثل وجهة نظر شخصية وقراءة تحليلية خاصة للكاتب، بُنيت على الملاحظة والتأمل في الدوافع البيئية والاجتماعية التي تشكل السلوك البشري. الهدف من طرح هذه الرؤية هو فتح باب للتأمل في "جذور" الميول وكيفية التعامل معها بإنسانية ومسؤولية، وليس تقديم دراسة أكاديمية قطعية أو فتوى شرعية.

​إن التوجه لحب شيء ما أو ميولك نحوه هو نتاج البيئة التي وُلدت فيها أو عشت فيها وأثرت فيك. فإذا وُلدت في عائلة مسلمة، فتوجهك وميولك ستصبح مسلمة، وإذا وُلدت في عائلة مسيحية ستكون مسيحيًا. ولكن هل يمكن لهذا أن يتغير؟ نعم، هذا ممكن، ولكن بدرجات مختلفة.

​فمثلاً، لو كان الشخص مسيحيًا، فمن الممكن أن يصبح مسلمًا في يوم من الأيام، أو قد يلحد المسلم؛ ولكنك تسأل: كيف يكون ذلك بدرجات؟

إن الشخص المسيحي الذي يكون دينه مجرد هوية فقط، لا يعمل به ولا يتبع تعاليمه وليس لديه حب للدين، بل إذا سألته يقول "أنا مسيحي" وكفى، فهذا الشخص هو أسهل من يمكن تشكيكه في معتقداته ليكون ملحدًا أو لا يؤمن بوجود إله؛ لأنه لا يتدبر في دينه، أو ربما يصبح مسلمًا.

​أما إذا جئت لشخص مسيحي ملتزم، يحب الدين ويتدبره ويقرأ ويبحث فيه، فمن الصعب تغيير معتقده؛ لأن الأمر هنا ليس مجرد فكرة في ذهنه، بل هو إيمان وحب مرتبط بأشياء كثيرة داخله، تحتاج إلى تفكيكها شيئًا فشيئًا لكي تستطيع تغييره. وينطبق الشيء نفسه على المسلم؛ فأغلب الملحدين أو الذين ارتدوا عن الإسلام هم حرفيًا أناس لا يتبعون تعاليم الإسلام، بل هو مجرد كلمة في عقولهم "أنا مسلم"، بينما يصعب أو يكاد يكون من المستحيل أن تجد شيخًا أو إمامًا يرتد عن الإسلام؛ لأن هذا الشيء في داخله ليس مجرد كلمة، بل هو عقيدة، حب، إيمان، تدبر، وانجذاب، وكثير من الأشياء المرتبطة والمعقدة.

​مثال من الواقع: كرة القدم والارتباط النفسي

​لنضرب مثالًا دنيويًا أكثر؛ إذا وُلدت في عائلة تحب رياضة معينة، فمن الطبيعي أن تجد نفسك تحب هذه الرياضة وتمارسها؛ لنفرض أن هذه الرياضة هي كرة القدم. وُلدت في عائلة تحب كرة القدم، بدأت ترى أهلك يشجعون فريق "برشلونة"، فبدأت تشجعه وبدأت تحبه سنة تلو الأخرى، حتى أصبح حبك له بعد ثلاث سنوات تشجيعًا معقدًا وارتبط بك. وجاء وقت وجدته يبدأ بالخسارة كثيرًا؛ فهل ستقول "لا بد أن أغير هذا الشيء وسأشجع ريال مدريد لأنه يفوز أكثر"؟ هل تعتقد أن هذا الشيء سهل؟

​بصراحة لا، هو صعب جدًا جدًا ولكنه ليس مستحيلاً. لماذا؟ لأن هذا الشيء أصبح معقدًا في داخلك، والموضوع أصبح حبًا، وهرمون السعادة أصبح مرتبطًا باسم "برشلونة"، وشغف وأشياء كثيرة. أنت نعم قد تذهب لتسمع لفريق "ريال مدريد"، ولكنك داخليًا تحب "برشلونة".

​هل يمكن أن نجد شخصًا يحب "ريال مدريد" في عائلة برشلونه، أو شخصًا لا يحب الكرة أصلاً؟ بكل بساطة الإجابة: نعم. كيف ذلك؟ أولاً، قد يكون هذا الشخص غير مرتبط بأهله جيدًا، ومعظم وقته مع أصدقائه، وأصدقاؤه يشجعون "ريال مدريد"، فمن الطبيعي أن يشجع "مدريد"، فهنا أثرت فيه بيئة خارجية. أما الشخص الذي لا يحب الكرة أصلاً، فهو أيضًا غير مرتبط بأهله جيدًا، وليس لديه أصدقاء يؤثرون عليه، فصار وحيدًا ولم يتكون لديه توجه أو ميول ناحية الكرة؛ وأنا واحد من الأشخاص الذين لا يشجعون كرة القدم، رغم أن باقي عائلتي وأبناء عمي مهتمون بها.

​التعقيد في التوجه الجنسي

​إذن، فالميول والتوجه كلما ارتبط بأشياء كثيرة داخلك، وعشت معه فترة أطول وتعمقت فيه وأحببته وتدبرته وتقبلته، يتحول إلى شيء معقد يمثل شخصيتك ويصعب عليك تغييره. ولكن هل يمكن أن يتغير؟ نعم، وكيف ذلك؟ كلما اكتُشف هذا الشيء مبكرًا وبدأ علاجه قبل أن يصبح داخليًا أعمق، أمكنك تغييره.

​والشيء نفسه ينطبق على التوجه الجنسي؛ فأي إنسان في الحياة يولد وليس لديه توجه جنسي، ثم يبدأ بالارتباط بالبيئة التي يعيش فيها. فإذا تعلق بأهله، وأهله توجههم طبيعي (أب وأم وعائلة مغايرة)، فمن الطبيعي أن تكون ميوله مغايرة. على عكس طفل وُلد ولما كبر وجد فجوة بينه وبين أهله، هو يرى أمام عينيه أن أهله طبيعيون ومن المفترض أن يكون مثلهم، ولكن البيئة التي أثرت عليه أكثر هي البيئة الخارجية؛ حيث تعرض للتحرش من قبل أناس أكبر منه ولفترات كبيرة (فالتحرش لمرة واحدة لن يغيره، بل التكرار لفترات). بدأ يحب ما يفترض أن يثير هرمون السعادة عنده، وبدأ هو بنفسه يمارس، وحتى لو استمر فترة وتوقف عنها، فإن التوجه عنده سيتغير وحده.

​أثر الإباحية والبيئة المحيطة

​وربما تتساءل: لماذا يوجد متحرشون أصلاً؟ الإجابة هي الإباحية؛ فأغلب المراهقين أو الأطفال يتعرضون للإباحية، مما يولد عندهم شهوة جنسية كبيرة في سن صغيرة، ومعظم الأوقات يكون هؤلاء الأشخاص في مجموعة وهم يشاهدون الإباحية. وبما أننا كمجتمع إسلامي معروف أن الجنس خارج الزواج حرام، والزواج يعني رجلاً وامرأة، وهو يعلم أنه من الخطأ أن يتحرش بفتاة، فيبدأ بتفريغ رغبته بالتحرش برجل مثله؛ هو يعلم أنه خطأ أيضًا ولكن لم يحذره أحد، وغير مدرك بأن شهوته الجنسية عالية. وأعتقد أن الشخص المتحرش عندما يكبر يصبح هو "الطرف الموجب"، والطرف الضحية الذي تم التحرش به وهو غير واعٍ لخطورة الموضوع يصبح "الطرف السالب".

​فيستمر الشخص في هذا الشيء لفترة حتى يدرك ويقول "ما الذي أفعله؟ لا بد أن أتوقف"، ويبدأ بالاستيعاب، ولكن ساعتها يكون قد فات الأوان؛ فقد أصبح توجهه الجنسي لنفس الجنس. وعندما يصل لسن الثامنة عشرة يكون قد أدرك واستوعب تمامًا أنه مثلي الجنس. وهنا يكون أمام نوعين: شخص يعرف دينه جيدًا، سيختار طريق الصلاح لأنه يعلم أن الدين يحرم ممارسة الجنس بين نفس الجنس، وشخص ضعيف الدين سيختار الشهوة وممارسة الجنس.

​إمكانية التغيير والمسؤولية الأخلاقية

​قد تقول: "بما أنه توجه أو ميول، فبإمكانه تغييره"، أقول لك: الموضوع صعب جدًا جدًا جدًا؛ لأن الميول هنا معقدة، مرتبطة بالحب، بالانجذاب، بالمشاعر، بالجنس، بالأمان النفسي، بالحنين، وبأشياء كثيرة تولدت لديه وكونت شخصيته، فمن الصعب تغييرها إلا عندما تفككها كلها. وأنا لدي نظرية بأن هذا الشيء إذا اكتُشف مبكرًا، قبل البلوغ مثلاً أو في وقت مبكر (لا بد أن يكون قبل سن الثامنة عشرة)، فإنه يمكن أن يتغير طالما أن الشخص لم يتعمق في الأمر، ولم يصبح معقدًا داخليًا. تمامًا كما يمكنك أن تجعل شخصًا يكره فكرة معينة وهو لا يزال يفكر فيها دون أن يدرسها، ولكن لو درسها سيكون من الصعب إقناعه وتغيير تفكيره.

​أنا هنا أوضح فكرة الميول من نظرتي، وأضع نظرية بأنه من الممكن تغيير الميول وليس شيئًا مستحيلاً، ولكنه فعلاً صعب لأنه مرتبط بأشياء كثيرة وخاصة الميول الجنسية. هل هذا يثبت أن المثلية الجنسية شيء طبيعي ولا بد أن نتقبله؟ صراحة أنا لا أتقبل الفعل، أنا أتقبل مشاعرك فقط؛ فأنا مسلم، والإسلام لا يحارب مشاعرك، والله لن يحاسبك على مشاعرك، إنما أنا ضد الفعل. لقد خلق الله جسد الأنثى ليكمل جسد الرجل، كالقفل والمفتاح.

​أنا أعلم أنك ضحية لشيء لم تختره، ولكن اصبر وكن طبيعيًا؛ فكونك مثليًا لا يعني أن بداخلك أنثى، بل أنت رجل ينجذب للرجل، ولا داعي لتصرفات وحركات أنثوية أو التشبه بالنساء. وأنا أعلم أن هذا ابتلاء صعب؛ حارب شهوتك في الدنيا لتكسب النعيم في الآخرة. لقد وضعت هذه النظرية بهدف ألا نحتقر أو نتنمر على أحد بسبب ميوله، بل ندعمهم ليكونوا صالحين. التوجه والميول هو تأثير بيئي، وقد ذكرت هنا بعض الأسباب كالإباحية والتحرش، وهناك أسباب أخرى تختلف ولكن هذا هو الشائع.