تخيل لو ظهر لك شيطانٌ في أكثر لحظاتك وحدة، وهمس في أذنك بكلمات تقلب موازين وجودك: "هذه الحياة التي تعيشها الآن، بكل آلامها الخانقة وأفراحها العابرة، بكل تفاصيلها التافهة والعظيمة، ستحياها مجدداً ولعدد لا نهائي من المرات، دون زيادة أو نقصان"؛ فهل ستسقط على الأرض صارخاً من الرعب، أم ستقول له إنك لم تسمع في حياتك قولاً أكثر قداسة من هذا؟
هذا هو لغز العود الأبدي الذي وضعه فريدريك نيتشه ليختبر معدننا الأخلاقي والوجودي. نيتشه هنا لا يقدم نظرية فيزيائية عن الزمن، بل يرمي في وجوهنا سؤالاً حاداً: هل حياتك الحالية تستحق الخلود؟ فإذا كان كل فعل تقوم به الآن سيتكرر للأبد في دائرة مغلقة، فإن قيمة اللحظة تصبح ثقيلة جداً، وتتحول كل حركة نقوم بها إلى قرار أبدي لا مفر منه.
في واقعنا اليومي، غالباً ما نعيش حياة مؤجلة؛ نتحمل عملاً نكرهه، أو صمتاً يقتلنا، بانتظار خلاص مستقبلي أو حياة أخرى تعوضنا عما فات. لكن نيتشه يكسر هذا القالب؛ فهو يخبرنا أنه لا يوجد هناك، بل يوجد هنا والآن فقط. الإنسان المتفوق في نظره هو الذي يملك الشجاعة ليقول للحياة: نعم، مرة أخرى، وإلى الأبد! هو من يحب قدره لدرجة أنه لا يتمنى تغيير أي تفصيل في ماضيه، بل يحتضن أخطاءه ونجاحاته كجزء أصيل من لوحته الخاصة.
ولنأخد مثال ، مثلا .فكر في تلك الساعات التي نقضيها في صراعات تافهة، أو في تلك اللحظات التي نبتلع فيها صدقنا خوفاً من المواجهة. إذا طبقنا عليها فكرة العود الأبدي، سنسأل أنفسنا: هل نقبل أن يتكرر هذا الضعف أو هذا الملل لمليار سنة قادمة؟ هذا السؤال كفيل بأن يجعلنا ننتفض لنخلق من لحظتنا شيئاً يستحق أن يُعاش مراراً، شيئاً نختاره بملء إرادتنا لا بضغط من الظروف.
في الختام، العود الأبدي ليس كابوساً إلا لمن يعيش حياة لا تشبهه. أما بالنسبة لمن يجرؤ على صناعة معناه الخاص، فهو أعلى درجات التحرر؛ لأنه يعيد لنا مسؤولية حياتنا بالكامل. نحن لسنا مجرد ريشة في مهب القدر، بل نحن الرسامون الذين يلونون لوحة الوجود؛ فاجعل من لوحتك تحفةً لا تمل منها العين، ولو نظرت إليها أزل الدهر.
التعليقات