هو لِمَ يا ترى أو بأي علّةٍ غامضةٍ تتحوّل "الأم" في معظم المجتمعات إلى أداةٍ تُكرّس الذكورية بدل أن تهدمها ؟لنقُل إن الغالبية هكذا وأقليةً واعيةً تجاهد في عكس التيار .فلنرجع إلى أصل الحكاية .. حياة الأم ذاتها كيف تربّت ؟ كيف زُفّت إلى زواجٍ لم تختره ؟ وكيف صُبغ وعيها الأول بخيوط القهر والتسليم ؟؟*الأم في الشرق الأوسط* .. تلك الصورة المثقلة بأغلال العادات .في بلادٍ مثخنةٍ بالجهل والخراب كالعراق وغيره من الأقطار العربية كان يُنتزع قرار الزواج من الفتاة كما يُنتزع اللقمة من فم الجائع .. يُسلّمونها إلى رجلٍ لا تعرفه بوقتٍ لم تستشعر فيه رغبتها فتغدو أسيرة أهواء غيرها تربيةً وزواجًا وحياة . مع مرور الزمن تُقنع نفسها بأنّها أداةٌ لا أكثر* ملكٌ لغيرها بل عبيدةٌ راضية بمصيرٍ سُطّر لها دون سؤال !وذاك هو الخراب الأكبر .. خراب الحرية في لبّها !!وهنالك ثلاثة أسباب رئيسة تجعلها تُسيء لجوهر الأمومة حتى تُشوّه صورتها :أولًا : سلطة المجتمع الكاسحة التي تخترق كل المذاهب والقوميات فيتوحّد الناس تحت قهر الجغرافيا لا تحت نور العقل !ثانيًا : طفولةٌ عرجاء وسلسلةُ توريثٍ من جدّةٍ إلى أمٍّ إلى ابنة فيتكرّر النمط كجرسٍ أعمى يرنّ في الفراغ ..ثالثًا : أن تختار هي بجهلٍ مُبكر زواجًا في الرابعة عشرة مثلًا** قبل أن تفهم ما الطفولة ذاتها فتُساق إلى أمومةٍ لم تستوعب معناها أصلًا فتُربّي دون أن تفقه ماهيّة التربية !!إن لكل شيء قوانينه إلا الأمومة ؟!فالأم في مجتمعاتنا تقتنع بوهمٍ ذكوري وتُسلّم عقلها لقيودٍ لا تراها . وحتى في الغرب حيث يظنّ الناس أنهم حرّروا المرأة ونجدها لا تُقدّر حقًا .. هناك لا يُمنح لها التقدير الفكري وهنا لا جسديًا ولا فكريًا ! فأيّ المفارقتين أفظع ؟!في الغرب يعلّمونها أن الحرية تعني الانغماس في الخطأ فتُخطئ لتثبت أنّها حرّة . وفي الشرق يُعلّقون على عنقها كل قيدٍ .... الدين والتاريخ والمجتمع والقانون ويُحكمون إغلاق الأغلال عليها !إذن؟ لعلّ 77% من أصل البلاء هو المجتمع و 23% يعود إلى المرأة ذاتها . غير أنّ هناك نساءً استثمرن تلك النسبة الضئيلة في رفض الذلّ فوقفن شامخاتٍ أمام سيلٍ جارف من القهر !وإن سألتَ امرأةً ذكوريةً ..(كيف ربّيتِ ابنتكِ؟) أجابتك باستنكار كأنّ السؤال غريب .. ثم تتشدّق بحديثٍ عن (الشرف) و (الاحترام) او (الحياء)* بما يُرضي ذوق المجتمع الذكوري ويُرضع أبناءه الوهم فيما التربية في جوهرها تحمل معنيين :1 . النماء والزيادة .. أي النمو والازدهار .2 . الرعاية والإصلاح .. أي العناية حتى الاكتمال .لكنها لا تعرف من الأول إلا اسمه ومن الثاني إلا قشرته ! فلا تفكّر كيف ينضج الطفل ولا كيف تُثمر روحه ..الطفل حين يولد يحتاج إلى لبنٍ يغذّيه لا إلى كلمة (ماما) يرددها !فلماذا لا تتعلّم الأم من تجاربها ؟ ولماذا تصرّ على قبول عبوديةٍ تسحق عقلها ؟ ثم أليست من أبشع عللها أنها تُفرّق بين الابن والبنت ؟؟ تُحب ولدها حتى التقديس وتُهمل ابنتها كأنّها خادمةٌ خفيّة أو مشروع إنجابٍ لغير العائلة !!أمّا الولد فهو الامتداد وهو الحفيد المرتقب فيُكرَّس له الاهتمام .. وأيُّ عدلٍ هذا ؟ أليس منسىً أنّها كانت يومًا بنتًا صغيرة تُكابد ذات التهميش ؟!ثم يأتي الشرف ... أيُّ سخفٍ أعظم من أن يُربط فقط بالفتاة ؟ تُعاقب إن خرجت وحدها أو إن أحبت بينما يُترك الولد سائبًا ! تُعامل الطفلة منذ نعومة أظافرها على أنّها العورة والضعف والغباء والصغر .. حتى تصدّق أنّها أقلّ من أخيها !! ولو تُركت حرّةً لتفعل كما يفعل أخوها لربما بزّته قوةً وإرادة .لكن الواقع مُثقل .. المجتمع يحقن فكرها بالذلّ منذ الطفولة !ومع أنّ الرجل يملك قوّةً جسديةً فالمرأة تملك قوىً أخرى لا تقلّ عظمةً .غير أنّ الجهل المتوارث كالوباء المتفشّي عبر القرون جعل اسم المرأة يتساقط في مجتمعاتٍ مظلمةٍ لا تعرف النور العقلي ولا الإنصاف !!القضية إذن ليست فقط غياب التقدير بل أيضًا فعل التقليل والتهميش .. والمفارقة أنّ أحدًا لا يُمكنه أن يُوجد طفلًا دونها ومع ذلك تُهان !! (الذكورية والعبودية والشهوة) ثلاثيّ قاتل دمّر عقول الرجال والنساء معًا !وغايتنا ليست رفع النسوية فوق الذكورية ولا العكس بل أن نسعى إلى العدل وحده ..العدل ذلك الذي يُعيد للإنسان رجلًا كان أم امرأة* وزنه الحقّ في ميزان الكرامة .