بعد كل خسارة كبيرة، لا يعود المرء كما كان، حتى لو تظاهر بذلك.

العلاقة التي ظننتها وطنًا ثم اكتشفت أنها محطة عابرة، والوظيفة التي حسبتها فرصة العمر ثم تبيّن أنها قيدٌ يلتف حول روحك، التجارب والإختبارات التي تمر بها دون توقف، المعارك التي تخرج منها منهكاً تعب، كل ذلك يترك في داخلك شرخًا صغيرًا، شرخ داخل روحك يمرّ منه الضوء!

في البداية، يكون الألم فوضى، أسئلة لا تنتهي، وندمٌ يلاحقك كظلّك، ومحاولات بائسة لإصلاح ما لا يُصلَح، تتخبط، تتراجع، تشتاق، تلعن اختياراتك، ثم فجأة، تتعب من التعب نفسه. هناك تحديدًا يبدأ النضج.

تدرك أن ليس كل من تحبه يبقى، وليس كل طريق تسلكه يستحق أن تكمل فيه، تتعلم أن قلبك ليس ساحة حرب، وأن كرامتك ليست شيئًا تفاوض عليه، تفهم أن الاستمرار أحيانًا ليس شجاعة، وأن الانسحاب في الوقت المناسب بطولة خفية لا يراها أحد.

بعد علاقة فاشلة، تصبح أكثر انتقاءً لمشاعرك؛ لا تمنح روحك كاملةً لمن لم يتعلّم كيف يحملها.

وبعد وظيفة أنهكتك، تتعلم أن الراتب لا يشتري سلامك، وأن النوم مطمئنًا أثمن من أي لقب.

تتغير طريقتك في النظر للأشياء، تصمت أكثر، تفكر أعمق، وتثق بحدسك أكثر من ضجيج الآخرين.

تقلّ دائرة الناس، لكن تكبر مساحة نفسك.

لا تعود تركض خلف القبول، ولا تتوسل البقاء في مكان لا يشبهك.

تصبح أهدأ، لا لأن الحياة صارت أسهل، بل لأنك صرت أصلب.

ويوماً ما، تنظر إلى نفسك القديمة وتبتسم بحنان، كأنك تنظر لطفلٍ كان يحاول أن يفهم العالم. تشكره على أخطائه، لأنها هي التي صنعتك.

فالنضج ليس أن لا تنكسر أبدًا، بل أن تنكسر، ثم تعود واقفًا، أكثر وعيًا، أقل ضجيجًا، وأشدّ احترامًا لقلبك.