الحقيقة في أي أفق فلسفي جاد ، هي إمكانية مفتوحة لا نتيجة جاهزة .. أو هكذا يجب أن تكون . فالفكرة لا تكتسب وزنها لأنها وُضعت في موضعٍ آمن بل لأنها قادرة على الوقوف في مساحة السؤال دون أن تنهار .
لذلك لا تُقاس الحقيقة بما تدعيه الفكرة بل بما تحتمله من نقد ، وبما تكشفه من قدرة على إعادة تشكيل ذاتها كلما تغير موقع النظر إليها .
فما لا يخضع للاختبار يبقى احتمالا هشّا مهما بدا متماسكا ، بينما ما يتعرض للمساءلة يتحول إلى بناء معرفي حيّ قابل للتعديل ، لا لأنّه ضعيف، بل لأنه يدرك أن الصلابة الحقيقية تأتي من المرونة لا من الانغلاق .. هنا يصبح النقد شرط الوجود لا تهديدا له ، فما لا يصمد أمام النقد لا يمكن أن يُقدّم بوصفه معرفة .
والبحث عن الحقيقة في عمقه ليس بحثا عن يقين نهائي ، إنما عن فكرة تمتلك اتساقا يسمح لها بالبقاء في فضاء العقل . وما يبقى بعد التفكيك لا يكون “الحقيقة” بمعنى المطلق ، بل الفكرة التي أثبتت قدرتها على الدفاع عن نفسها دون أن تفقد قابليتها للتطور .
وبهذا المعنى لا تظهر الحقيقة كيقين خارج الزمن بل كحركة مستمرة بين الادعاء والاعتراض .. بين البناء والهدم ، وبين ما نظنه ثابتا وما يكشفه السؤال .
والأفكار التي تنجو ليست تلك التي تحتمي ، بل تلك التي تواجه النقد بلا خوف وبلا وهم التعالي عليه .
التعليقات