تكرار الرؤية يفقد الرؤية

ليس ثمة ما هو أخطر على الرؤية من التكرار .. فالرؤية التي تبدأ دهشةً تتحول مع التكرار إلى عادة .. ومع العادة تفقد الأشياء بريقها الخاص .. فما يُشاهَد باستمرار يتلاشى معناه شيئًا فشيئًا من الوعي .. حتى يغدو الحضور غيابًا ، والمشهد فراغًا ..

أما مفارقة الوجود ، فليست في غياب الأشياء .. بل في كثرة حضورها حتى يصبح الحضور ذاته شكلاً من أشكال الغياب .. إن التكرار يميت المعنى ، بينما الدهشة وحدها تُعيد للرؤية حقيقتها الأولى .. كما لو كنا نرى للمرة الأولى ، قبل أن يفسدها الاعتياد ..

إن تكرار الرؤية يفسر قدرة الإنسان على التكيف مع الوجود .. بل والاستمتاع به أحيانًا .. ليس لأنه يُدرك دائمًا ما يرى .. بل لأنه ينجو من قبح ما يرى بفضل التعود .. وهذا التكيف ، وإن كان آلية للبقاء ، يبقى ثمنًا يُدفع على حساب المعنى ..

فكم من الأشياء حولنا لم نعد نراها لأنها تكررت حتى مات معناها .. وكم من الحقائق طُمست تحت ستار الاعتياد .. إن أعظم عجز يصيب الإنسان ليس أنه لا يرى .. بل أنه يتوهم أنه يرى ..