الشر ليس قوة خارجية تتسلّط على الإنسان، بل تجربة تتكشف داخله، كظلّ لا يفارق العقل والقلب. الشيطان، كما تصوره الأساطير والفلسفات، ليس سوى رمز للغواية والإغراء، مرشدًا لمن يختار الانحراف، محفّزًا لا يملك السيطرة إلا إذا فتح الإنسان لنفسه الباب. أما الإنسان، فقد يثبت أحيانًا أنه أشرّ من الشيطان نفسه، لأنه يضيف إلى الشر وعيه، وذكاءه، وتبريره، فتتحول الأفعال من مجرد رغبة عابرة إلى تصميم مدروس، أكثر فتكًا وتعقيدًا من أي إغراء خارجي.

الشر في الإنسان يحمل عنصرين متداخلين: فطرة ومكتسب. هناك غريزة داخلية، ميل نحو الأنانية والمصلحة الذاتية، قد تتحول إلى شر إذا لم يقم الضمير أو الأخلاق أو التربية بحجر عثرة. وهناك البيئة والخبرة، التي تصنع من الإنسان كائنًا يبرّر أفعاله ويبتكر طرقًا لإخفاء تجاوزاته، حتى ينمو الشر ويصبح أفعالًا واعية. هكذا، ليس الشر مجرد غريزة، بل مسار يتكوّن بخطوات متعمدة، ونوايا واضحة.

وهنا يكمن المعنى الأخلاقي العميق: الشيطان لا يفعل شيئًا بنفسه، بل يقدم فرصة للإنسان ليتجاوز حدود ضميره، لاختبار إرادته. من يختار الانغماس يصبح “تلميذ الشيطان”، لكنه أحيانًا يتفوق عليه، لأن وعيه يرفع الشر إلى مستوى لم يصل إليه الرمز الخارجي. الإنسان يخطط، يبرر، ويضيف بعدًا للعقل والإرادة، بينما يبقى الشيطان رمزًا للصراع الداخلي، محفزًا لا أكثر.

ومع هذا، تكمن الحرية الحقيقية في قدرة الإنسان على اختيار الخير رغم الغوايات. من يختار الخير يثبت تفوقه على الشر والشيطان، ويؤكد أن الأخلاق ليست مجرد قاعدة مفروضة، بل قوة اختيار وإرادة واعية. ومن يسلم نفسه للشر بوعي، يثبت العكس: أن الإنسان أحيانًا يكون أكثر شرًا من أي رمز خارجي، وأن الشر الحقيقي يولد من العقل الواعي لا من مجرد الرغبة أو الإغراء.

في النهاية، يبقى الإنسان قادرًا على المقاومة، على التغيير، وعلى استعادة مساره. هذه هي المعادلة الحقيقية: الإنسان أشرّ من الشيطان حين يختار الشر، ولكنه أسمى حين يقاومه. وهكذا، تبقى الأخلاق والضمير معيار القوة الحقيقية، والشر اختبارًا دائمًا، ليس لما يحيط بنا، بل لما يكمن داخلنا.