بين الحرية والحتمية: في جوهر الإنسان بين الوجود والظروف

منذ بدأ الإنسان يفكّر في ذاته، طاردته معضلة حادة: هل أنا من أصنع قراراتي، أم أن القرارات صُنعت من أجلي قبل أن أولد؟ تلك المعضلة تمثّل أساس الفكر الأخلاقي والقانوني والفلسفي. فإذا كان الإنسان حرًّا تمامًا فلا مبرّر لتبرير الخطأ ولا لتعليق الفشل على غير الذات. وإذا كان مسيّرًا تمامًا فكيف نعاقب مجرمًا صَنَعَه المجتمع؟ وكيف نمدح ناجحًا لم يختر ظروف نجاحه؟ إن هذا السؤال يمسّ جوهر العدالة وكرامة الإنسان ويكشف حدود قدرته ومسؤوليته في الوجود.

الإنسان كائن حر: فلسفة الذات والإرادة

يرى الوجوديون ومنهم سارتر أن الإنسان محكوم عليه بالحرية، أي أنه لا يستطيع أن يتهرب من مسؤوليته الوجودية تجاه خياراته. الحرية هنا ليست مجرد قدرة على الاختيار، بل عبء الوعي بأننا صانعو ذواتنا. ويستدل المدافعون عن الحرية بعدّة أدلة:

1. الوعي والاختيار: الإنسان يفكر ويتردد قبل أن يقرر، وهذا دليل أن الفعل ليس آليًا.

2. الندم والإصلاح: الشعور بالذنب يعني الإيمان بأننا كنا قادرين على اختيار آخر.

3. الإبداع والتجديد: ابتكار الإنسان أشياء لم تكن موجودة دليل فاعلية تتجاوز الحتميات.

4. تجاوز الظروف: التاريخ مليء بقدرات البشر على تحدي واقعهم وصنع مجدهم.

بهذا تصبح الحرية مصدر الكرامة الإنسانية، وهي ما يجعل الإنسان فاعلًا قادرًا على تغيير مصيره.

الإنسان نتاج للظروف: منظور العلم والحتمية

من جهة أخرى، تشير العلوم العصبية والاجتماعية إلى أن الحرية محدودة بصورة أكبر مما نعتقد:

1. الدماغ يسبق الوعي: دراسات علم الأعصاب تثبت أن الدماغ يقرّر قبل أن يشعر الإنسان بقرارِه.

2. الوراثة: الطباع، الذكاء، الميل للعنف أو الهدوء… لها جذور بيولوجية لا خيار للإنسان فيها.

3. البيئة: التربية، الفقر، الحروب، السلطة، الإعلام… تصنع نمط التفكير والسلوك.

4. المجتمع: كما قال ماركس “الوجود الاجتماعي يحدد الوعي”، فالإنسان وليد طبقته وشروط حياته.

وفق هذا المنظور، الإنسان محكوم بسلسلة شاسعة من الأسباب لا يملك القدرة على التحرر الكامل منها.

أين تختبئ الحرية حين تُستعبد الفرص؟

الحرية لا تُمنح بالتساوي. فحرية من يملك التعليم والأمان ليست كحرية من تربّى في الفاقة والخوف. لذلك فإن الحرية ليست حدًّا مطلقًا: ليست صفرًا أو مئة، بل درجات تتسع عند من توفرت له الفرص وتضيق عند من قُيّدته الضرورات.

التوافقية: الحرية داخل الحتمية

يتّجه كثير من الفلاسفة اليوم إلى منظور توافقي يجمع بين الموقفين: الإنسان حر داخل حدود الظروف. فالحرية ليست غيابًا للأسباب، بل قدرة على اتخاذ قرار واعٍ في ظلّها. تشبه حريتنا سفينة في بحر هائج: لا تتحكم في العاصفة، لكنها تختار اتجاه إبحارها. الحتمية ترسم البداية، لكن الحرية ترسم النهاية.

آثار عملية ومجتمعية

1. في القانون: العقاب يجب أن يراعي الظروف لا أن يتجاهلها، مع التركيز على التأهيل والإصلاح.

2. في التعليم: المعرفة توسّع الخيارات وترفع مستوى الحرية، بينما الجهل يقيد الذات.

3. في الصحة النفسية: كثير من الانحرافات هي نتيجة ضغوط وألم، وليست حرية شريرة.

4. في السياسة: توسيع الفرص الاقتصادية والاجتماعية هو تحرير حقيقي للإنسان من القيود غير المرئية.

لا الحرية مطلقة، ولا الحتمية ساحقة. الإنسان يولد مجبرًا بظروفه، لكنه يصبح مخيّرًا بوعيه وسعيه. نحن لسنا عبيدًا للظروف، ولسنا آلهة فوقها. نحن كائنات تتشكّل عبر الزمن، نصنع ذواتنا خطوة بخطوة. الحرية ليست نعمة جاهزة، بل مساحة تُنتزع بالإرادة والمعرفة والكفاح. وفي الإنسان دائمًا بقعة من الضوء تقول: رغم كل شيء، ما زال بإمكانك أن تختار.