حتى تنتهي الألوان... يبدأ النور.

HaithamSuleiman

تبدو حياتنا كخيطٍ طويلٍ ينساب داخل متاهةٍ من الألوان والظلال لا بداية له ولا نهاية كأنها مرآةٌ خفيّة تعكس سرّ الوجود كله في هيئة رسمٍ يتداخل فيه النور بالظلمة والفرح بالحزن والميلاد بالفناء كل شيءٍ فيها يبدو عشوائيًّا لأول وهلة حتى تدرك أن العشوائية ذاتها ليست سوى حكمة إلهيةٍ لتخفي عنك دقّة الميزان الربانيّ الذي يُدير هذا الكون

نحن لا نسير في فوضى بل في طريقٍ كُتِب بعلمٍ مطلقٍ لا يُدركه بصر ولا يبلغه فكر نحن مخلوقون لنمشي في هذا الممرّ الضيّق بين قدرين بين ما كُتب لنا وما نختار نحن بأيدينا نحن المخيّرون في إطارٍ من التسيير نمتحن بالمنع والعطاء وبالغياب والحضور فكل خطوةٍ نخطوها تُخبرنا أن وراءها حكمةً لا تراها أعيننا الآن ولكنها تتجلى حين نبلغ نهاية الطريق

كم تشبه هذه الخيوط أعمارنا حين تتشابك وتضيع معانيها في زحمة الألوان فلا نعرف أيُّها يقود إلى النور وأيُّها يُفضي إلى الغفلة نحسب أننا نصنع مصيرنا ولكننا في الحقيقة نُنفّذ سطرًا من قصيدةٍ كتبها الله بحبر الرحمة والحكمة والابتلاء نغرق في التفاصيل نُحب ونفقد ونفرح ونبكي كألوانٍ تتراقص على حافة الفناء حتى نصل إلى تلك النقطة البيضاء في نهاية الطريق حيث تذوب كل الألوان وتخرس الأصوات وتنطفئ الأنا فلا يبقى إلا وجه الله الحق

تلك هي الحياة لوحةٌ إلهية لا تُفهَم إلا عندما تنتهي ولا يُدرك سرّها إلا من نظر إليها بعين الإيمان فعرف أن كلّ ما فيها لم يكن عبثًا بل دلالةٌ على أن خالقها أرادنا أن نسير إليه بخطوطٍ ملتفّة ولكنها جميعًا تنتهي إليه.

هيثم سليمان 🍀


اشكر حضرتك على اهتمامك وردك المحترم الناتج من قراءة معمقه للنص الذي كتبته ومن الجدير بالذكر في هذا السياق بخصوص ملاحظاتك والتحفظات التي ابديتيها أنّ النص لا يتضمّن أي معنى يناقض التوحيد أو ينفي حرية الإنسان، بل يعبّر بأسلوبٍ أدبي عن حقيقةٍ إيمانيةٍ قرآنيةٍ خالدة: أن الإنسان يعيش بين الاختيار والقدر، وأن حكمة الله تظلّ أعظم من أن تُدرَك بكاملها بعقولنا المحدودة. وقد قمت فعلا بتعديل العبارة التي ورد فيها لفظ "حيلة" إلى "حكمة إلهية" توضيحًا وتنزيهًا لله جلّ وعلا وخوفا من فهمها في سياق خاطئ عما قصدته عند إيرادها.

وأما الفقرة التي تقول “نحسب أننا نصنع مصيرنا ولكننا في الحقيقة نُنفّذ سطرًا من قصيدةٍ كتبها الله بحبر الرحمة والحكمة والابتلاء” فهي لا تنفي الاختيار، بل تشير إلى أن كلّ ما يجري في حياتنا يقع ضمن علم الله السابق وقدره المحكم، كما قال تعالى:

"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" (القمر:49)

"وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ" (التكوير:29)

فالله سبحانه كتب المقادير بعلمه الأزلي، لكنه في الوقت ذاته منح الإنسان الإرادة ليختار ضمن حدود هذا العلم، ولهذا قال تعالى:

"فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (الكهف:29)

فالنص إذًا لا يسلب الإنسان مسؤوليته، بل يذكّره بأن اختياره لا يخرج عن دائرة العلم الإلهي الشامل. وهذا ما يعبّر عنه قوله تعالى:

"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ" (الأنعام:165)

أما الصورة الختامية في النص، حين “تذوب الألوان وتخرس الأصوات وتنطفئ الأنا فلا يبقى إلا وجه الله الحق”، فهي مأخوذة من المعنى القرآني الجليل:

"كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ" (الرحمن:26–27)

فالمغزى هو أن الحياة بكل تناقضاتها وانفعالاتها لوحةٌ إلهية مرسومة بحكمةٍ وابتلاءٍ ورحمة، وأننا حين نبلغ نهايتها ندرك يقينًا أن كلّ ما ظننّاه عبثًا كان جزءًا من نظامٍ إلهيٍّ كاملٍ لا يعتريه خلل.

إذن فالنص يقرّر ما قرّره القرآن: أن القدر حقّ، والاختيار حقّ، والحكمة الإلهية تظلل الوجود كله، ومن نظر إلى الحياة بعين الإيمان علم أن كلّ الطرق، مهما التوت، تنتهي إليه سبحانه.

دمتم بألف خير وسعدت بقراءة رأيك في المنشور.