في 2023 هل ستختار أن تكون واقعيا أم مثاليا؟ ولماذا؟

اتصلت بي في أطراف الثالثة فجرا ...وقالت: هل أنت متفرغة؟! قلت: ما الموضوع؟ 

قالت: لقد عرفت أنه يخونني مع أخرى، قلت: وكيف عرفت؟ قالت: وجدته يتابعها في الفيسبوك ويتبادلان التعليقات والقلوب، وعندما أحدثه عنها ينكر أنه يعرفها، والآن لا يسمح لي بفتح هاتفه كي لا أكشفه! إنها واحدة من صديقاتي اللواتي يرين الحب والخيانة من منظور سينمائي، الحب على مقاييس كوكب زمردة، ولي صديقة أخرى ترى أن زوجها له الحق في أن ينظر إلى أخريات ويزاملهن ولا مشكلة عندها في أن تكون لديه صديقة مقربة مادام في نطاق محترم! لأنها ترى أن هذا هو الواقع.

إنه موضوع واحد تراه الأولى من زاوية رومنسية حالمة مثالية والثانية تراه من زاوية واقعية تبدوا جامدة وباردة، فمن هي صاحبة الموقف الأصح؟ ولماذا هذا التناقض بين الواقعي والمثالي؟

إذا تحدثنا عن المثالية والواقعية في الفلسفة فلا يوجد أهم من مصارعة هيجل وماركس، فقد ادعى هيجل كما جُل الترسانة الفلسفية التي سبقته أن الحقيقة مثالية، وأن الأفكار الصحيحة هي ترنسندنتالية متعالية عن الواقع، لأن الفكر يسبق الواقع، لذلك فالفكر هو من يصنع الواقع بالضرورة والفكر عنه قائم على التاريخ، لكن جاء ماركس ليقلبه على رأسه تماما، ويقول بأن الواقع هو الحقيقة الوحيدة، وأنه هو من يصنع الأفكار، فالواقع وبالتحديد المادة هي من ترسم الطريقة التي نفكر بها وليس العكس.

لذلك يقول ماركس أن الوعي هو تشكيل عن صورة المادة وانعكاس لها، وبالتالي التجربة الواقعية هي من تحدد بنيتنا الفوقية، لذلك يقول ماركس إنه إذا أردنا أن نغير العالم علينا أن نغير الواقع الذي نعيش فيها حتى تتغير عقلياتنا ثم العالم ككل، في حين أن هيجل يعتقد أن تغير العالم هراء، وأن بداية أي تغيير تكون من فكرنا لأنه هو من سيحرك التاريخ ويغير وجه العالم بعدها، وسيشتد الصراع بين الإثنين حتى تخلد مقولة : "ماركس قلب هيجل على رأسه" كدلالة على تعصب كل من المثالية والواقعية لرأيه.

في النهاية صديقتي الأولى ستحب هيجل كثيرا، والثانية متواطئة مع ماركس، وأنت من تشجع؟ هل ستكون 2023 سنة للاختيارات الواقعية أم المثالية بالنسبة لك؟ وفي رأيك هل توجد طرق للتوفيق بينهما؟


التعليق السابق
من جهةٍ أخرى، أجد أن فكرة المثالية لم تعد خيارًا، وذلك في ضوء عالم الواقع الافتراضي الذي فرضته التكنولوجيا، والذي يمثّل المحاكاة الأقدر على دحض وجهة النظر المثالية بشتّى تصوّراتها.

أختلف معك بشكل جذري في هذه النقطة يا علي، أعتقد بأننا اليوم في ثان أعمق لحظة من المثالية في تاريخ البشرية بعد لحظة الإنسان البدائي الأول الذي كان يعيش على وحي كامل من الميثولوجيا، نحن اليوم نعيش الفيرجن 2 من المثلولوجيات البدائية حقيقة، ليس فقط على مستوى فكري وثقافي بل على كافة المستويات الأخرى ايضا... نحن نريد أن نكون مثاليين في كل شيء، ونذهب إلى حدود مخيفة جدا من هذه المثالية .

كشاب تعرف جيد أن أكبر معاناة لك هي أنك تلاحق صورتك المتخيلة دون إمكانية واضحة للتحقيق، انت تريد ان تكون كاتب مرموق، ومسوق محترف لنفسك، وصانع محتوى كبير ومؤثر حقيقي و صاحب ثروة، مبرمج ومدير حسابات سوشال ميديا، وكاتب seo وصاحب موقع رائد ... كل هذا وأنت شخص رياضي، ووسيم وعلى الموضة...الخ

وهذا ضرب من الجنون حرفيا ... السوشال ميديا والانترنت يدفعنا للجنون والخروج عن ذواتنا فعليا، نحن نحارب المثالية فقط في الاشياء التي لا تخدمنا، لكننا على مستوى لا واعي نكرسها باستماتة فعليا، نريد ان نكون الأجمل والأسعد والأصح والأرقى والأكثر حضارة وذكاء وهذه قمة المثالية والكمال الوهمي... ومع الأسف نحن مازلنا في منتصف الطريق، لأن الويب 3.0 سوف يفتح لنا ابواب للمثالية على مستويات اخرى اعمق.

نحن لم نكف يوما عن كوننا عشاق المثالية، لكن العصر الحديث هو عصر المثاليات الفاقعة فعلا، وكل بنيتنا الفكرية منية على فكر مثالي، الحرية بلا حدود، الثقافة بلا حدود، الشعبوية المتنخبة، الرغبة بلا حدود، المال بلا حدود، الديمقراطية والتعبير اللامشروط، الحب اللازوردي ، كلها مثاليات حداثية لكن بنكهة ابطال الديجتال لا أكثر ولا أقل.

الفرق بين المثالية القديمة والمثاليات الجديدة هي ان في القديم كنا ننظر للسماء لنتأمل ونحلم، أما الآن فننظر للأرض، إختلاف النظر من العمودية الى الافقية راجع الى تغير علاقتنا بالعالم نفسه، لكن تلون المثالية لا يعني اختفاءها بأي حال .

وشكرا لأنك جعلتني أفكر من جديد، هذا موضوع مقال ممتاز للمستقبل.