الفلاسفة و . . . الأطفال

في كتاب عالم صوفي لمؤلفه جوستاين غاردر، قدم هذا الأخير تشبيها فريدا من نوعه. إذ شبه العالم بالأرنب الذي يخرج من قبعة الساحر، البالغين يختبئون في أعماق فراء الأرنب، حيث يشعرون بالدفئ. بينما وحدهم الفلافسة و الأطفال يستمرون بالتواجد على قمة فراء الأرنب، و السبب هو النقطة المشتركة بين الاثنين: طرح الأسئلة.

بالطبع كلنا نطرح الأسئلة، لكن المقصود هنا تلك الأسئلة البسيطة العميقة: من أنا؟ من أين جاء العالم؟

أثارني هذا التشبيه بين الفلاسفة و الأطفال، و أراه صوابا تماما، فما الأطفال إلا فلاسفة و ما الفلاسفة إلا أطفال بشكل ما.

هنا مقولة لباولو كويلو:

إن القادرين على فهم الحياة هم الأطفال، أو أولئك الذين ينظرون إليها كالأطفال.

و لا أرى الذي ينظرون للحياة كأطفال سوى فلاسفة.

فهل ترون أن هنالك شبها بين الفلاسفة و الأطفال؟


جميع الأطفال فلاسفة ،لأنهم يملكون هذه النظرة البكر البدائية للعالم .. كل شيءٍ جديد ومثيرٌ للدهشة ،لايحمل تصورات مسبقة .. أأسى على حجر الفلاسفة هذا حين يُلقّم الرؤية العامة للعالم تلقيما ،ومن ثم أأسى مرة أخرى عليه حينما يكبر ويحاول استرجاع نظرته البكر ،بعد أنواع التشويه و التمثيل التي مارسها الأسبقون عليها ،وأأسى أكثر على أولئك اللذين لا يعون استرجاعها .

---

يقول أنطوان دو سانت إكزوبيدي ،في إهداء كتابه (الأمير الصغير) :

أهدي الكتاب إلى الصبي الصغير الذي منه نشأ هذا الراشد. إن كل الراشدين كانوا أطفالًا ذات يوم ،مع أن قلّة منهم يتذكرون ذلك.

---

يفقد الراشدون تدريجيًا شعورهم بالدهشة حيال الأشياء المحيطة ،يبدأ ستار الاعتياد ،بالانسدال شيئًا فشيئًا فوق أسئلتهم في خضم معترك الحياة ،فيُخيّل لهم أنهم يرون كل شيءٍ واضحًا أمامهم ،ولا يحتاج إلى تفسير أو إعادة نظر ،هم يرون ما يرونه فعلًا ،ولكن .. من وراء حجاب

يرون صور الأشياء المطبوعة على ستار العادة .. لا الأشياء ذاتها -هذه ليست فرضية على أن هناك ما يوجد بذاته ،ولكنها محاولةٌ توضيحية على أنهم لا يرون العالم خارج ما لُحّفوا به - ويطلقون على ذلك بثقة عنجهيةٍ بغيضة ،مسمًا أمقته جدًا (بديهي) .

بالمناسبة ،سؤالٌ إلى المجتمع الراشد .. ما هي تلك البديهيات!؟

لطالما أرعبني صنف البشر الذي يمر تحت نهر القمر المفروش بزوارق النجوم .. ولا يراه

يقطع بجانب سجادة البحر .. وكأن شيئًا لم يكن

لا يأخذه كأس نبيذ الشمس المراق حين الغروب إلى جولة سُكْرٍ مؤقتة

كم أنتشي حين يخبرني أحدهم أنني أبدو طفلةً في توجهاتي ،وغارقةً في الخيال بعيدًا دعوى الثوابت الكونية . .. يرعبني حقًّا أن تشيخ فيَّ النظرة الطفلة للعالم .. فأراه مقعدةً من وراء حجاب .