في ثنايا آية واحدة، يضع القرآن ميزانًا دقيقًا للأخلاق، لا يُقاس بحضور الناس ولا بثقل القوانين، بل بصدق العلاقة مع الله. فقوله تعالى: ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ يكشف جوهر الاستقامة حين تغيب العيون، ويغيب الزوج، ويغيب الرقيب البشري، ولا يبقى إلا الله.

الـ«غيب» هنا ليس مجرد غياب الزوج بالجسد، بل هو كل موضع خلوة تُختبر فيه الأمانة: غيب السر، وغيب النية، وغيب المشاعر، وغيب التصرفات التي لا يراها أحد. فالحفظ في الغيب هو حفظ للعهد حين لا يُطالَب الإنسان به علنًا، وحفظ للنفس حين لا يُهددها لوم.

ولفتت الآية النظر إلى أن هذا الحفظ ليس بطولة ذاتية ولا فضلًا شخصيًا مجردًا، بل هو ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ أي بتوفيق الله، وبما أودع في القلب من تقوى، وبما شرع من حدود، وبما زرع من حياء، وبما وعد به من جزاء. فالله هو الحافظ أولًا، ومن حفظه الله حفظ الأمانة دون عناء التصنع.

وفي هذا المعنى يتهذّب مفهوم الطاعة؛ فهي ليست انكسارًا ولا ضعفًا، بل ثمرة يقين: يقين بأن الله يرى، وأن الغيب عنده شهادة، وأن ما يُصان في الخفاء أثقل وزنًا عند الله مما يُستعرض في العلن.

والآية – وإن وردت في سياق الحديث عن الزوجية – إلا أن معناها أوسع من ذلك؛ فهي قاعدة حياة:

حافظ للغيب في عمله، فلا يخون حين يغيب المدير.

وحافظ للغيب في لسانه، فلا يطلق الكلمة حيث لا يُحاسَب.

وحافظ للغيب في قلبه، فلا يسمح للنية أن تفسد حين تخلو الساحة.

إنها تربية على مراقبة الله لا الناس، وعلى بناء الأخلاق من الداخل لا من المظاهر. فكم من أمانة ضاعت لأن صاحبها لم يتقن الحفظ في الغيب، وكم من بيت استقام لأن امرأة فهمت أن أعظم الوفاء هو الذي لا يُرى.

وفي زمن تعلو فيه الرقابة الخارجية وتضعف الرقابة الداخلية، تأتي هذه الآية لتقول: إن الحفظ الحقيقي لا تصنعه القوانين وحدها، بل تصنعه القلوب التي عرفت الله، فاستحيت منه، واتكلت عليه، وحُفظت به.

﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾… آية تختصر معنى الأمانة، وتدلّنا أن من حفظ الله في غيبه، حفظه الله في حضوره ومآله.