36

هل ترى أن العيش بهذه الطريقة يجعلنا على قيد الحياة؟

عندما أفكر في طريقة تعاملنا مع الحياة، أشعر بإرتباك، بدهشة وإستغراب ..

هل المغزى من هذه الحياة أن نعيش أشبه بترس في ماكينة؟ نستيقظ، نركض إلى العمل، نعود، ننام مبكرًا، ثم نستقيظ، ونستمر في الركض مجددًا .. وهكذا نظل ندور في دائرة لا مخرج منها !

بمعنى آخر هل هذه القيمة الحقيقية للحياة؟ التقدير الحقيقي الذي تستحقه الحياة؟ هل خلق الكون لكي نعمل ونقتني أشياء جميلة نتباهى ونتفاخر بها، أو أن نتقاتل على الوظيفة والمال والأرض وكل ما هو مادي؟ نندمج مع المادة حتى نصير شيئًا منها إلى أن تختفي الروح فينا .. تختفي القيمة..

لو أننا نفكر في لحظة الخلق .. لحظة طي هذا الكون وإنتهاء الحياة.. لو أننا نستشعر الرهبة التي يولدها مجرد التخيل فقط، لأعدنا النظر في الوقت الذي نقضيه بين هذين اللحظيتن، لتعاملنا بوعي ونضج أكثر في هذه الرحلة القصيرة جدًا ..

لماذا نفكر في أن إمتلاك الكثير من الأشياء هو الطريق المؤدي للحياة؟ بالرغم من أن العكس هو الصحيح ..

لماذا لا نعيش على طبيعتنا تمامًا؟ نفعل ما نحب ..ونتصرف كما نريد .. بعيدًا عن أن تكون المادة هى المقياس لنا في أمور كثيرة، بل في كافة نواحي الحياة، فالسلطة المطلقة الآن للمادة ..

بإختصار؛ لماذا نجرد الحياة من معناها الحقيقي بمفاهيم خاطئة ؟ لماذا نتوه فيها حد أننا ننسى المغزى الحقيقي منها ؟

أنا لا أدعو للزهد هنا؛ لكن صدقًا أشعر بأننا آلات تعمل وتحترق من أجل أن تمتلك، حتى أنها ليس لديها الوقت الكافي للإستمتاع بما إمتلكته، أو الشعور به .. لا وقت للإستمتاع هنا !

لا وقت للتفكر أيضًا .. من أين جئنا .. أو إلى أين نحن ذاهبون ؟

لا وقت للإنصات لصوتنا الدخلي .. ينبغي كبحه وكبته حتى لا يشغلنا عن الركض في هذا السباق الذي لا ينتهي ..

لا وقت لدينا لأي شيء سوى الركض في هذا السباق ونيل كل ما يمكن إصطياده ..

هل ترى أن العيش بهذه الطريقة يجعلنا على قيد الحياة أصلًا ؟


19

قبل ثلاثة أيام كان عندي إمتحان مهم .. لم أستعد له كثيرا - نظرا لبعض الظروف وضيق الوقت وعملي الجانبي - ..  

قبيل الإمتحان بساعة ذهبت لشرب قهوة..

في طريق عودتي للجامعة - وأنا مثقل بالهموم والتوتر- مررت بجانب ثلاثة أولاد بملابس رثة يلعبون كرة القدم بجانب الطريق مبتهجين ..

أحدهم ركل لي الكرة عن خطأ .. بدأت ألعب معهم بعض الوقت .. انضم إلينا رجل في منتصف العمر ، ثم شابين .. واصلنا اللعب بمرح ..

سألت أحد الأولاد عن بيتهم ، فأشار لي إلى إمرأة تجلس بجانب الشارع وتبتسم لطفل لها !

علمت أنها أمه وأنهم يعيشون في الشارع..

تحدثت مع الأم لبعض الوقت .. كانت لطيفة جدا وتلقائية ومسرورة -رغم الظروف الإقتصادية- !

عند مغادرتي تركت لها 4 دولار -كانت كل ما عندي من مال حتى نقود المواصلات- ..

دخلت الإمتحان وأنا متأخر بثلاثين دقيقة وكان صعبا كما توقعت ، ولكن لا يهم فلم أفكر به مطلقا ..

√ لازلت لحد الآن أفكر بالعائلة التي تعيش الحياة بمعناها الحقيقي ..

وكيف -أنا- أصبحت آلة تعمل وتتعرق بأمور لا أهمية لها في الحياة ، وتقلق من مشاكل مثيرة للضحك .. وكيف لا أستمع إلى ما تملي عليه نفسي بإنصات .

√وكيف كانت لحظات اللعب مع الأولاد أفضل من أيام كاملة كنت محبوسا في عالم أركض وراء المادة ، وعالم إفتراضي لا يسمن ولا يغني من جوع..!

★الحياة هي أن تعيش ببساطة ، بقناعة ، تعطي ، تستمع ، تستمتع -حتى في رحم المعاناة- ، تساعد ، تأخذ ، تستكشف ، تتعلم ، تعلم ، تشارك +++..

وليس أن تكون عبدا للمادة فقط كما قلتِ..

وإن لم يكن لحكايتك علاقة مباشرة، إلا أنك ذكرتني بقول الشاعر:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله *** وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

بالضبط يامحمد .. هذا ما أعنيه ..

ليتنا نصادف جميعًا في حياتنا أطفال يلعبون الكرة، حتى نستفيق من هذا السباق ونتوقف ولو للحظة ..