حين تتحدث آيات الله إلى الروح المبعثرة

في ليلة من ليالي الحيرة والشتات، حين ضاقت بي الأنفاس وأثقل التفكير المطول كاهلي، وجدت نفسي أسيرةً لشعور خفي من الضياع. لم تكن المشكلة ذات شأن عظيم في موازين الحياة، لكن الروح حين ترهقها تفاصيلها تفقد قدرتها على الاحتمال. وحين أغلقت في وجهي كل المنافذ للبحث عن حل، أخذتني خطاي نحو كتاب الله عز وجل، لا لأقرأ قراءة عابرة، بل باحثةً بصدق المضطر عن رسالة خاصة من الخالق تطمئن قلبي وروحي وعقلي.

فتحت المصحف بقلب خاشع يترقب النور، فوقع بصري أولاً على دعاء الكليم موسى عليه السلام، كأنما خُطَّت الآية خصيصاً لألمي:

﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 25-28]

وما إن استقر هذا الدعاء في روحي، حتى استكملت القراءة، فإذا بالسكينة تتنزل في الآية التي تلتها كالمطر الهادئ على أرض باردة:

﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]

في تلك اللحظة، شعرت كأن النور قد تسلل إلى عتمة مندمسة تحت سواد الهموم. لقد أدركت أن الله لا يترك عبده هائماً في ظلمات أفكاره، بل يأتيه بالرد على ما يُخفيه صدره قبل أن ينطق به. هاتان الآيتان لم تكونا مجرد كلمات مسطورة، بل كانتا يداً تمتد من الغيب لتربت على قلبي، وتخبرني بأن الله يسمع الأنين الخفي، ويرى تفاصيل التعب الذي لا يشعر به أحد.

من هذه التجربة العميقة، أود أن أبعث برسالة صادقة إلى كل قلب أنهكه القلق وأضناه التفكير: لا تهجروا كتاب الله، ولا تتعاملوا معه ككتاب تُطوى صفحاته، بل كمعجزة حية، ونور متجدد، وراحة أبدية. وحين يشتد بك الضيق، اقصدوه بصدق اليقين، وستجدون فيه دائماً الجواب الشافي، والسكينة التي تعيد ترتيب فوضى الروح والعقل من جديد.


التعليق السابق

وفيكَ بارك الله، شكراً من القلب على مشاركتك القيمة. كلماتك أضافت للنص بُعداً أعمق..