الضياع بينهما

عندما تجلس وحيدًا بين جدران أربعةٍ مليئة بالصمتِ البارد، تبدأ تلك النزعات الخفية التي لا يُشاهدها سواك؛ لتقع حينها أسيرًا بين قائدين: الأول يرتدي عباءة الحكمة والوعي، راميًا الآخر بالمسؤولية عن كل معاناة، وفي الوقت ذاتِه، يظهر الثاني كرمزٍ خالصٍ للحب والسلام، واقفًا ضد قسوة الأول ورفضه الدائم.

أما أنت فتجلس في ركن الغرفة الساكنة، تُراقب بهدوء تلك المعركة المتجددة بين عقلٍ واهٍ وقلبٍ عاطف، لتكون ذاتك المنهكة هي الضحية بينهما.

يبدأ العقل غاضبًا: لماذا كنت تعاملهم بكل هذا الإجلال وأنت موقنٌ بأنَّهم اشواكٌ في طريقك؟ لماذا لم تتعلم من الدروس التي خضتها في حياتِك البائسة؟ لماذا جعلت من جسدك جسرًا يعبرون عليه إلى ضفة نجاحاتهم؟

ثُم يضيف بخنق: دعني أخبرك بشيءٍ.. كنت تُخرسني كلما أردت البوح بالحقائق، نعم، كنت تنصت فقد لذلك الخافق في صدرك، تنظر إليهم بعين العاطفة، وتكسر نفسك في الخفاء دون أن تظهر لهم شيئًا من حريق المعاناة التي تكتوي بها الآن!

هنا يقاطعه القلب مدافعًا: لحظة أيها الحكيم الواعي، لا علاقة لي بالخيبات.. أنا أمنح الحب، أعطي المشاعر لأنها كينونتي، فلستُ مجرد مضخةٍ للدماء؛ أنا بطبيعتي أحب أن أهب السعادة، وأن أمنح الآخرين فرصًا أخرى.

وإذا كنت تراني المجرم الحقيقي، فلماذا سمحتَ لي بالتمادي؟ أليست القيادة والمسؤولية الأولى تقع على عاتقك؟!

ليجوب الصمت فراغ الغرفة المعتمة، وتخرج من ذلك الصراع الخفي بجسدٍ لا يرى سوى واقع مريرٍ وينظر إلى غدٍ جديد على أملٍ أن تنتهي تلك المعارك الخانقة. 


المشكلة ليست دائمًا صراعًا بين العقل والقلب. فبعد أي خيبة نميل إلى لوم القلب لأنه أحب أكثر من اللازم، أو لوم العقل لأنه لم يحذرنا، بينما الحقيقة أن كليهما كان جزءًا من القرار. فلا القلب وحده هو السبب، ولا العقل وحده هو المذنب. كما أن الإنسان ليس ضحية لهذا الصراع طوال الوقت. فنحن من نختار من نثق به، ومن نستمر في العطاء له، ومن نسمح له بتجاوز حدودنا. لذلك بدل أن نحاكم العقل أو القلب، ربما يكون الأهم أن نتعلم من التجربة ونضع حدودًا أفضل في المرة القادمة.