صدق البدايات: غسان كنفاني وفلسفة الحب بلا أقنعة

يتسابق الناس اليوم في إبراز واجهاتهم البراقة؛ يستعرضون إنجازاتهم، وممتلكاتهم، وخططهم الخمسية لتأمين المستقبل قبل أن يخطوا خطوة واحدة نحو الارتباط. يبحثون عن شروط الأمان المادي والاجتماعي الكامل، معتقدين أن الزواج عقد يُبنى على مطابقة جداول البيانات والضمانات الجافة.

ولكن، وسط هذا الحرص الاستهلاكي البارد، يأتي مشهد تقدم الأديب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني لزوجته الدنماركية آني هوفمن ليصفع هذا التكلف، ويضعنا أمام تعريف وجودي مغاير تماماً لمعنى الشجاعة، والصدق، والاتصال الإنساني الحقيقي.

1. شجاعة التجرّد من الأقنعة

حين تقدم غسان لآني بعد أسبوعين فقط من لقائهما في بيروت عام 1961، لم يقدم لها سيرة ذاتية ملمعة، ولم يعدها بقصر مشيد أو مستقبل هادئ ومستقر. بل وقف أمامها عارياً من كل أوهام السيطرة، مفرطاً حبات واقعه القاسي بلا مواربة:

"هل تتزوجيني؟ أنا فقير لا مال لي ولا هوية، أعمل في السياسة وأعشق الأدب ولا أمان لي. وأنا مصاب بالسكري."

هذا العرض الذي قد يراه العقل المادي الحديث انتحاراً اجتماعياً، كان في حقيقته قمة النبل والأصالة. غسان لم يكن يبيعها وهماً، ولم يترك لها مساحة لتكتشف خيباته لاحقاً. لقد وضع أضعف وأقسى ما يملك على الطاولة في اللحظة الأولى.

هذا الصدق الصارم يرسل رسالة باطنية عميقة: "أنا لا أبحث عن شخص يشاركني حفلة نجاحي، بل أبحث عن روح تقبل العبور معي في هذا الدرب الوعر".

2. قبول الضعف وبناء الملاذ

المدهش في هذه القصة ليس فقط شجاعة غسان في البوح، بل شجاعة آني في القبول.

لقد تركت الفتاة الدنماركية رفاهية أوروبا واستقرارها، لتقترن برجل مهدد بالموت في كل لحظة، غارق في الهم العام، وبلا وطن يحمي وجوده القانوني. هذا القبول يثبت أن القلوب السوية لا تنجذب للواجهات اللامعة، بل تنجذب للصدق والعمق.

عندما تقبل امرأة شريكاً بكل هذا الضعف والخطورة، فإنها لا تقبله كصفقة منفعة، بل تحتضنه كإنسان. وبناءً على هذا الصدق الخالص، تأسست حياة مشتركة دافئة وخصبة بالمعنى والحب، صمدت أمام عواصف السياسة والفقر والمرض طوال أحد عشر عاماً، ولم ينهها إلا الموت والاغتيال.

3. أمومة الحب وصِغر الرجال

بعد سنوات من هذا الارتباط، سطر غسان لزوجته آني واحدة من أرق وأعمق العبارات التي تشرح فسيولوجيا المشاعر بين الرجل والمرأة حين يصدق الود بينهما:

"كنتُ أكبر منكِ بالعمر وكنتِ أكبر منّي بالحب، فالنّساء حين تُحب، تُصبحن أمهات، ونحن الرّجال نصغر، نصغر حتى نصبح أطفالهن."

يكشف هذا الاستبصار حقيقة فطرية بين الجنسين:

  • أمومة المرأة: فالحب الصادق يوقظ في المرأة طبع الرعاية والاحتواء وتقديم الأمان غير المشروط.
  • طفولة الرجل: والرجل، مهما بلغت قوته بالخارج، يحتاج لخلع دروعه ووقاره المصطنع ليصبح طفلاً مستكناً في محراب هذا الاحتواء.

هذا التبادل المتوازن هو ما يمنح البيوت سكنها الحقيقي.


هذا العرض الذي قد يراه العقل المادي الحديث انتحاراً اجتماعياً

المألة ليست عقل حديث وقديم بل هو الفرق بين الزواج عن حب وبين جواز الصالونات او المصلحه فقد تفعل امراءة او رجل هذا - ومازال يحدث - لاجل شخص يحبونه ولكن في الزواج التقليدي انت تقدم العرض او تقبله قبل ان يكون هناك اي روابط او معني لذلك الشخص الذي تقيمه وكثيرا ما يتم الزواج والوافقه من الطرفين اصلا لان العريس وجدها العروس مجرد جسد يبدو جيد جنسيا ووجدها مطيعه في الخطوبة وهي وجدته يقدم لها امان ومستوي جيد .

من الطريف كيف يغير الانسان تاوي نفس الموقف حسب ايديولوجيته فبينما قد يبدو الزواج القديم اكثر مادية لانه نسسب بين عائلات وليس رغبه بين اشخاص نجد عبد الوهاب المسيري يصف قصه زواج ابيه وامه بان عائلة ابيه اخطأءة المنزل او اسم العائلة وبعد دخولهم البيت والتعارف اكتشفوا الخطأ ولكنهم اكملوا الزواج مع ذلك لانه العائلة التي دخلوا بيتها بالخطا كانت متساوية في السمعه والوضع الاجتماعي مع تلك الاخري التي كانوا ينوون النسب معها بالبداية والطريف انه يسمي ذلك بالزواج الذي يميز المجتمع التراحمي الذ ييتم بين اسر و ليس بين افراد رغم انه مثال صارخ عي الزواج من اي حد يوفي الغرض .

شكراً على هذا التحليل الفلسفي والاجتماعي البارع؛ فلقد أصبت جوهر الفارق بين "المجتمع التراحمي" القائم على توافق الأنساق والمصالح، وبين العلاقات الفردية القائمة على الاختيار العاطفي الحر.

إن توصيفك لموقف المسيري يكشف ازدواجية المعايير؛ فما نراه اليوم "مادية باردة" في زواج الصالونات، كان يُصنف قديماً "استقراراً وتراحماً" في إطار بنية اجتماعية لا تعترف بالفردانية. تحويل المواقف لتناسب الأيديولوجيا هو بالفعل أداة إنسانية لتسويغ الواقع، لكنك وضعت يدك على الحقيقة: الكثير من هذه الزيجات التقليدية كانت صفقات "ملاءمة" لا "تكامل"، حيث يغيب الإنسان كذات، ليحضر كـ "نموذج" اجتماعي أو اقتصادي، مما يفرغ الزواج من معناه الوجداني ويحوله إلى إجراء وظيفي.