هل حقاً الضربة التي لا تقتلك، تقويك؟
كنتُ اقرأ منشوراً لسيدة تتحدث عن معاناتها بعد أن خسرت وظيفتها في وقت أكتشفت فيه مرضها الخبيث، ولكن ما استوقفني هو تعليق أحد الأشخاص يقول: الضربة التي لا تقتلك، تقويك، تعليق قد يبدو بسيطاً ويقدم نوعاً من الدعم من الخارج، إلا أن الواقع الإنساني له رأي آخر تجاه ذلك.
فالمرور بالصدمات النفسية والتجارب القاسية كصاحبة المنشور ليس بالضرورة أن يمنحها ذلك صلابة، بل أن ما تفعله الصدمة هو استنزاف المخزون النفسي والجسدي، لأن الجهاز العصبي يظل عالقاً لفترات طويلة في حالة استنفار ودفاع مستمر، كأنه في معركة لا تنتهي، فهذا الإرهاق المزمن يترك ندوباً خفية وتعباً قد ينهك الروح والجسم.
أعرف أشخاصاً فقدوا وظائفهم ومروا بأزمات عائلية صعبة، ولم يخرجوا منها أقوى بل خرجوا بأمراض مناعية وأمراض في القلب، وأمراض نفسية كأكتئاب مزمن، بل حتى هناك من لم يتحمل عبء معاناته ورحل.
فتمجيد المعاناة وكأنها بطولة وأن علينا جميعاً أن نخرج منها أقوى، هذه أمنية نتمنى للجميع أن يصلوا إليها، ولكن نفسياتنا ليست واحدة وتعاملنا مع الأزمات والصدمات مختلف، فالصدمة ليست فرصة لنتعلم بقدر ما تطلب منا فقط أن نرفق بأنفسنا ، ونعترف بضعفنا بدون خجل، ونسعي للتعافي، حتى لو تطلب الأمر طلب مساعدة مختصة، فلا أحد في النهاية سيحصل على جائزة لأنه عاني أكثر، والصلابة الحقيقية تبدأ من صدق شعورنا في مواجهة هذه الصدمات، لا في ادعاء زائف بالقوة.
عبارة صحيحة ولا إشكال فيها ولكن لا يصلح تعميمها على كل الناس ولا على كل الضربات .
عندما يولد الإنسان لا يملك جهازه المناعي ذاكرة خاصة بمسببات العدوى ، ولكن عند حدوثها يتعلم منها وتحتفظ الخلايا الليمفاوية بمعلومات عنها لتهاجمه لاحقاً بسرعة وقوة إذا ما حاول مهاجمتها ثانية . وأظن أن الجميع يعرف أن أحد أنواع التطعيم هو حقن الجسد بنسخة ضعيفة من الفيروس أو البكتيريا ليتسنى للجهاز المناعي التعرف عليه فيما بعد .
الضربات المحتملة قد يخرج الإنسان منها بأقوى مما دخل فيها بحسب طريقة تعامله معها .
لا يصح التفكير في شق واحد فقط من الأمر وهو أن الجهاز العصبي يستنزف بسبب الصدمة ، فهذا أشبه بالنظر لجانب واحد ضيق وإهمال جوانب أخرى تغير المعادلة تماماً .
*هل هناك جوانب أخرى ؟
نعم ، بالتأكيد ، الصدمات تجعلك تتعرف إلى صديقك من عدوك ، ومن يقف بجوارك ممن يتخلى عنك .
الصدمات تجعلك أكثر رفقاً ورحمة بالضعفاء والمرضى الذين لابد من وجودهم بكثرة في الحياة .
الصدمات المحتملة تجعلك أكثر خشونة وتحملاً فيما بعد لضغوط الحياة المشابهة .
الصدمات تجعل بعض الناس يغير طريقته في الحياة جذرياً للأفضل كأن يكون ظالماً فيتراجع عن ظلمه أو مدللاً فاسداً فيصبح أكثر نضجاً .. إلخ.
من عانى أكثر وصبر سيحصل على الجائزة الأكبر (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) ، عن عبدالله بن مسعود قال : دَخَلتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يوعَكُ، فمَسِستُه بيَدي، فقُلتُ: (يا رَسولَ اللهِ، إنَّكَ لَتوعَكُ وعكًا شَديدًا ) فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (أجَل، إنِّي أوعَكُ كما يوعَكُ رَجُلانِ مِنكُم!) قال: فقُلتُ: (ذلك أنَّ لكَ أجرَينِ) ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (أجَل) ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (ما مِن مُسلِمٍ يُصيبُه أذًى مِن مَرَضٍ فما سِواه إلَّا حَطَّ اللهُ به سَيِّئاتِه كما تَحُطُّ الشَّجَرةُ ورَقَها) .
الصدمات والبلاءات ستحصل لا محالة (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) .
لذا أظن أن الأفضل هو تعلم كيفية مواجهة الصدمات التي لا مفر من حدوثها لأنه أجدى للسلامة من الضرر النفسي في الدنيا وتحصيل الصبر والأجر في الآخرة .
*وماذا عن الاكتئاب والأمراض النفسية والعضوية التي تحدث بسبب الصدمات ؟
نحتاج لإضافة تفصيلتين ناقصتين :
1- بعض الأمراض لها أساس وراثي بيولوجي بحيث يكون الإنسان مهيأ وراثياً لمرض نفسي معين مثل الفصام وغيرها ، ولذلك تجد في وصف حالة بعض المرضى أن المرض ظهر عنده دون مشاكل أو ضغوط أو مع وجود مشاكل عادية يتحملها الآخرون في العادة .
2- خسارة الأموال ≠ الذبحة الصدرية ، اكتشاف المرض المزمن ≠ الاكتئاب الجسيم ..إلخ.
مثلاً بعض الناس يكتشف إصابته بمرض خطير مزمن عرضاً دون قصد وتتغير حالته بالكامل ويصاب بالاكتئاب الجسيم مع أن المرض ربما يكون كامناً فيه لفترة وهو يعيش حياته سعيداً لجهله ، فالأصح هنا أن سبب المرض النفسي ليس الصدمة وإنما كيفية التفكير بها والتعامل معها .
*نقطة أخيرة ، هل معنى ذلك أن نتمنى حدوث الصدمات والبلاءات ؟
لا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم (سَلُوا اللهَ العفوَ والعافيةَ ؛ فإن أحدًا لم يُعْطَ بعد اليقينِ خيرًا من العافيةِ) .
التعليقات